الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٨ - تعلّم من داود
فداود- مع هذه القدرة العظيمة التي منحها إيّاه ربّ العالمين- لم يسلّم من تجريح الآخرين و بذاءة لسانهم، و في هذا الكلام مواساة للنبي الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أنّ هذه المسألة لا تنحصر بك فقط، و إنّما شاركك فيها كبار الأنبياء عليهم السّلام.
ففي البداية تقول آيات بحثنا: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
«الأيد» بمعنى القدرة، و تأتي أيضا بمعنى النعمة.
و قد توفّر المعنيان المذكوران أعلاه في داود، إذ كان يتمتّع بقوّة جسدية مكّنته من أن يقتل الطاغية جالوت بضربة قويّة واحدة بواسطة حجر رماه من مقلاعه على جالوت، فأسقطه من فرسه مضرّجا بدمه خلال إحدى المعارك.
و قال البعض: إنّ الحجر مزّق صدر جالوت و خرج من ظهره.
أمّا من حيث قدرته السياسية، فقد كانت حكومته قويّة و مستعدّة دائما لمواجهة الأعداء، بكلّ قوّة و اقتدار، حتّى قيل أنّ الآلاف من جنده كانت تقف على أهبّة الاستعداد من المساء حتّى الصباح في أطراف محراب عبادته.
و من حيث قدرته الأخلاقية و المعنوية و العبادية، فإنّه كان يقوم معظم الليل في عبادة اللّه، و يصوم نصف أيّام السنة.
و أمّا من حيث النعم الإلهيّة، فقد أنعم عليه البارئ عزّ و جلّ بالكثير من النعم الظاهرية و الباطنية.
خلاصة الحديث، إنّ داود كان رجلا ذا قوّة و قدرة في الحروب و العبادات و العلم و المعرفة و في السياسة، و كان أيضا صاحب نعمة كبيرة [١].
«أوّاب» مشتقّة من (أوب) على وزن (قول) و تعني العودة الاختيارية إلى أمر ما، و لكون (أوّاب) على صيغة المبالغة، فإنّها تشير إلى أنّه كان كثيرا ما يعود إلى اللّه سبحانه و تعالى، و كان يتوب عن أصغر غفلة و ترك للأولى.
[١]- (أيد) جمع (يد)، و قد استعملت هنا لكونها مظهر القوّة و النعمة و الملك، و قد حملت كلّ هذه المعاني هنا.