الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٧ - الجيش المهزوم
و دخلوا المعركة ضدّ الوحي الإلهي بهذا المنطق الأجوف.
نعم، فهناك مجموعة من الناس لا ينفع معها المنطق و الكلام، و لكن سوط العذاب هو الوحيد الذي يحطّ من تكبّرهم و غرورهم، لذا يجب أن يعاقب أولئك بالعقاب الإلهي كي يشفوا من مرضهم.
و يضيف القرآن الكريم في الردّ عليهم: هل يمتلكون خزائن الرحمة الإلهيّة كي يهبوا أمر النبوّة لمن يرغبون فيه، و يمنعونها عمّن لا يرغبون فيه؟ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ.
فاللّه سبحانه و تعالى بمقتضى كونه (ربّ) هذا الكون و مالكه، و بارئ عالم الوجود و عالم الإنسانية، ينتخب لتحمل رسالته شخصا يستطيع قيادة الأمّة إلى طريق التكامل و التربية. و بمقتضى كونه (العزيز) فإنّه لا يقع تحت تأثير الآخرين و يسلّم مقام الرسالة إلى أشخاص غير لائقين، فمقام النبوّة عظيم، و اللّه سبحانه و تعالى هو صاحب القرار في منحه. و لكونه (الوهّاب) فإنّه ينفذ أيّ شيء يريده، و يمنح مقام النبوّة لكلّ من يرى فيه القدرة على تحمّله.
ممّا يذكر أنّ كلمة (الوهّاب) جاءت بصيغة المبالغة، و تعني كثير المنح و العطايا، و هي هنا تشير إلى أنّ النبوّة ليست نعمة واحدة، و إنّما هي نعم متعدّدة، تتّحد فيما بينها لتمكّن صاحب هذا المقام الرفيع من أداء مهمّته، و هذه النعم تشمل العلم و التقوى و العصمة و الشجاعة و الشهامة.
و نقرأ في الآية (٣٢) من سورة الزخرف نظير هذا الكلام، قال تعالى: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ أي إنّهم يشكلون عليك بسبب نزول القرآن عليك، فهل أنّهم هم المسؤولون عن تقسيم رحمة ربّ العالمين؟
هذا و يمكن الاستفادة من كلمة (رحمة) هنا في أنّ النبوّة إنّما هي رحمة و لطف ربّ العالمين بعالم الإنسانية، و حقّا هي كذلك، فلو لا بعث الأنبياء لخسر الناس الدنيا و الآخرة، كما خسرها أولئك الذين ابتعدوا عن نهج الأنبياء.