الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢١ - الادّعاءات الكاذبة
الطريق المؤدّي إلى اللّه ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ [١] إلّا أولئك الذين يريدون أن يحترقوا في نار جهنّم إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ.
هذه الآيات- خلافا لما يتصوّره أتباع مذهب الجبر- دليل ضدّ هذا المذهب، و هي إشارة إلى أنّه لا يعذر أي أحد انحرف عن الطريق المستقيم، مدّعيا أنّه قد خدع، و انحرافه و عبادته للأوثان بسبب هذه الوساوس، و لذا تقول الآيات المباركة، أنتم- المشركون- لا قدرة لديكم على إضلال الأشخاص و خداعهم، إلّا إذا كان أولئك يتّجهون بإرادتهم نحو صراط الجحيم.
و عبارة صالِ الْجَحِيمِ شاهد على الكلام المذكور أعلاه، لأنّ كلمة (صالي) جاءت بصيغة اسم الفاعل، و عند ما تستخدم أي كلمة بصيغة اسم الفاعل بشأن موجود عاقل فإنّها تعطي مفهوم تنفيذ العمل بإرادته و إختياره، مثل (قاتل) و (جالس) و (ضارب)، إذن فإنّ صالِ الْجَحِيمِ تعني رغبة الشخص في الاحتراق بنار جهنّم، و بهذا تغلق كافّة طرق الأعذار أمام كلّ المنحرفين.
و الذي يثير العجب أنّ بعض المفسّرين المعروفين فسّروا الآية بالمعنى التالي:
(إنّكم لا تستطيعون خداع أحد، إن لم يكن مقدّرا له الاحتراق بنار جهنّم).
إن كان حقّا هذا هو معنى الآية، فلم يبعث الأنبياء؟ و لأي سبب تنزل الكتب السماوية؟ و ما معنى محاسبة و لوم و توبيخ عبدة الأوثان يوم القيامة التي نصّت عليها الآيات القرآنية؟ و أين ذهب عدل الباري عزّ و جلّ؟
نعم، يجب قبول هذه الحقيقة، و هي انّ الإقرار بمبدإ الجبر ضدّ مبدأ الأنبياء
[١]- التركيب النحوي لهذه الآية و التي تسبقها و الاخرى التي تأتي بعدها، و كما هو مشهور كذلك، (ما) في جملة (ما تعبدون) هي (ما) الموصولة معطوفة على اسم أنّ، و جملة ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ خبرها. و (ما) في (ما أنتم) نافية، و ضمير (عليه) يعود على اللّه سبحانه و تعالى، و في مجموعها نحصل على ما يلي (إنّكم و آلهتكم التي تعبدونها لا تقدرون على إضلال أحد على اللّه بسببها إلّا من يحترق بنار الجحيم بسوء إختياره).
و البعض الآخر اعتبر الآية فَإِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ كلاما تامّا مستقلا و تعني أنّكم و آلهتكم، ثمّ تقول في الآية التالية: ما أنتم بحاملين على عبادة ما تعبدونه إلّا من هو صالّ الجحيم.