الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥١ - ١- هل أنّ الأنبياء يستخدمون التورية؟
الطعام اليوم، في حين أنّ قصد المجيب هو أنّه تناول الطعام يوم أمس.
مسألة هل أنّ التورية كذب أم لا؟ مطروحة في الكتب الفقهية، فمجموعة من كبار العلماء و منهم الشيخ الأنصاري رضوان اللّه عليه يعتقدون أنّ التورية ليست كذبا، فلا العرف و لا الروايات تعدها كذبا، و إنّما وردت بشأنها روايات تنفي عنها صفة الكذب، إذ
قال الإمام الصادق عليه السّلام: «الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية قولي ليس هو هاهنا. فقال عليه السّلام: لا بأس ليس بكذب» [١].
و الحقّ هو لزوم القول بالتفصيل، و لا بدّ من وضع ضابطة كليّة: فإذا كان للفظ في اللغة و العرف معنيان، و المخاطب تصوّر معنى خاصّا من تلك الكلمة، في حين أنّ المتحدّث يقصد معنى آخر، مثل هذا يعدّ تورية و ليس بكذب، حيث يستخدم لفظ مشترك المعاني يفهم منه المخاطب شيئا، في حين أنّ المتحدّث يقصد منه معنى آخر.
و على سبيل المثال، جاء في شرح حال «سعيد بن جبير»، أنّ الطاغية الحجّاج بن يوسف الثقفي سأل سعيد بالقول: ما هو تقييمك لي، فأجابه سعيد: إنّك (عادل)، ففرح جلاوزة الحجّاج، في حين قال الحجّاج: إنّه بكلامه هذا كفّرني، لأنّ أحد معاني (العادل) هو العدول من الحقّ إلى الباطل.
أمّا إذا كان للفظ معنى لغوي و عرفي واحد من حيث المفهوم، و المتحدّث يترك المعنى الحقيقي و يستخدمه كمعنى مجازي من دون أن يذكر قرائن المجاز، فمثل هذه التورية- من دون أيّ شكّ- حرام، و لربّما تمكّنا بهذا التفصيل الجمع بين آراء مختلف الفقهاء.
و لكن، يجب الانتباه إلى أنّه في بعض الأحيان حتّى في الموارد التي لا تكون فيها التورية مصداقا للكذب، تكون للتورية أحيانا مفاسد و مضارّ و إيقاع الناس في الخطأ، و من هذا الباب قد تصل في بعض الأحيان إلى درجة الحرمة، و لكن إن
[١]- وسائل الشيعة، المجلّد ٨، الصفحة ٥٨٠، (الباب ١٤١ في أبواب العشرة الحديث ٨).