الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٠ - يونس في بوتقة الامتحان
رحيم لهم، في حين كانوا يواجهون منطقه الحكيم بالسفسطة و المغالطة، عدا مجموعة قليلة منهم، يحتمل أن لا تتعدّى الشخصين (أحدهما يسمّى بالعابد و الثاني بالعالم) آمنت برسالته.
و بعد فترة طويلة من دعوته إيّاهم إلى عبادة اللّه و ترك عبادة الأصنام، يئس يونس من هدايتهم، و كما جاء في بعض الروايات، فإنّ يونس عليه السّلام قرّر طبقا لاقتراح الرجل العابد، مع ملاحظة أوضاع و أحوال قومه الضالّين، قرّر الدعاء عليهم [١].
و بالفعل فقد دعا عليهم، فنزل عليه الوحي و حدّد له وقت حلول العذاب الإلهي بهم، و مع حلول موعد نزول العذاب، رحل يونس- بمعيّته الرجل العابد- عن قومه و هو غاضب عليهم، و وصل إلى ساحل البحر، و شاهد سفينة عند الساحل غاصّة بالركاب فطلب منهم السماح له بالصعود إليها.
و هذا ما أشارت إليه الآية التالية، حيث قالت: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ.
كلمة «أبق» مشتقّة من (إباق) و التي تعني فرار العبد من سيّده، إنّها لعبارة عجيبة، إذ تبيّن أن ترك العمل بالأولى من قبل الأنبياء العظام ذوي المقام الرفيع عند اللّه، مهما كان بسيطا فإنّه يؤدّي إلى أن يتّخذ الباري عزّ و جلّ موقفا معاتبا و مؤنّبا للأنبياء، كإطلاق كلمة (الآبق) على نبيّه.
و من دون أي شكّ فإنّ نبي اللّه يونس عليه السّلام، معصوم عن الخطأ، و لكن كان الأجدر به أن يتحمّل آلاما اخرى من قومه، و أن يبقى معه حتّى اللحظات الأخيرة قبل نزول العذاب، عسى أن يستيقظوا من غفلتهم و يتوبوا إلى اللّه سبحانه و تعالى.
حقّا إنّه دعا قومه إلى توحيد اللّه أربعين عاما- وفق ما ورد في بعض الروايات- و لكن كان من الأجدر به أن يضيف عدّة أيام أو عدة ساعات إلى ذلك الوقت ببقائه معهم، لذلك فعند ما ترك قومه و هجرهم شبهه القرآن بالعبد الآبق.
[١]- تفسير البرهان، المجلّد ٤، صفحة ٣٥.