الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٣ - ملاحظة
مقام يوسف الصدّيق بعد أن عبر ساحة الاختبار الكبيرة بنجاح، و أمثاله من المخلصين كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ أي نحن أظهرنا البراهين ليوسف لنبعد عنه الفحشاء و السوء، لأنّه من عبادنا المخلصين (سورة يوسف- ٢٤).
فمقام المخلصين لا يناله إلّا من انتصر في الجهاد الأكبر، و شمله اللطف الإلهي بإزالة كلّ شيء غير خالص من وجوده، و لا تبقى فيه سوى النفس الطاهرة الخالصة- كالذهب الخالص- عند إذابتها في أفران الحوادث و الاختبار. و هنا فإنّ مكافأتهم لا تتمّ وفق معيار أعمالهم، و إنّما معيار مكافأتهم هو الفضل و الرحمة الإلهيّة.
و العلّامة الطباطبائي رحمة اللّه عليه يقول بهذا الشأن:
«يقول اللّه سبحانه و تعالى في هذه الآية، إنّ كافّة الناس يأخذون مكافأة أعمالهم إلّا العباد المخلصين له، لأنّهم يدركون بأنّهم عبيد اللّه، و العبد هو الذي لا يملك لنفسه شيئا من إرادة و لا عمل، فهؤلاء لا يريدون إلّا ما أراده اللّه و لا يعملون إلّا له. و لكونهم من المخلصين، فقد أخلصهم لنفسه، و لا تعلّق لهم بشيء غير ذات اللّه تعالى. فقلوبهم خالية من حبّ الدنيا و زخارفها، و ليس فيها إلّا اللّه سبحانه.
و من المعلوم أنّ من كانت هذه صفته كان التذاذه و تنعّمه بغير ما يلتذّ و يتنعّم به غيره، و ارتزاقه بغير ما يرتزق به سواه، و إن شاركهم في ضروريات المأكل و المشرب، و من هنا يتأيّد أنّ المراد بقوله: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ الإشارة إلى أنّ رزقهم في الجنّة رزق خاص لا يشبه غيره، (و أنّهم يرزقون من مظاهر ذات اللّه الطاهرة، و قلوبهم متعطّشة اشتياقا للّه، و غارقة في العشق و الوصول إلى اللّه) [١].
(١)- الميزان، المجلّد ١٧، الصفحة ١٤١.