الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٢ - التّفسير
من المسلّم أنّ المقصود بهؤلاء القوم هم المشركون في مكّة، و إذا قيل أنّه لم تخل امّة من منذر، و أنّ الأرض لا تخلو من حجّة للّه، علاوة على أنّه تعالى يقول في الآية (٢٤) من سورة فاطر وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ؟
فنقول: إنّ المقصود من الآية- مورد البحث- هو المنذر الظاهر و النّبي العظيم الذي ملأ صيته الآفاق، و إلّا فإنّ الأرض لم تخل يوما من حجّة للّه على عباده، و إذا نظرنا إلى الفترة من عصر المسيح عليه السّلام إلى قيام الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نجدها لم تخل من الحجّة الإلهية، بل إنّها فترة من قيام اولي العزم،
يقول أمير المؤمنين عليه الصلاة و السّلام بهذا الخصوص «إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ليس أحد من العرب يقرأ كتابا و لا يدّعي نبوّة!» [١].
و على كلّ حال فإنّ الهدف من نزول القرآن الكريم كان تنبيه الناس الغافلين، و إيقاظ النائمين، و تذكيرهم بالمخاطر المحيطة بهم، و الذنوب و المعاصي التي ارتكبوها، و الشرك و أنواع المفاسد التي تلوّثوا بها، نعم فالقرآن أساس العلم و اليقظة، و كتاب تطهير القلب و الروح.
ثمّ يتنبّأ القرآن الكريم بما يؤول إليه مصير الكفّار و المشركين فيقول تعالى:
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
احتمل المفسّرون هنا العديد من الاحتمالات في المراد من «القول» هنا.
الظاهر أنّه ذلك الوعيد الإلهي لكل أتباع الشيطان بالعذاب في جهنّم، فمثله ما ورد في الآية (١٣) من سورة السجدة وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ
الآية الثالثة من سورة السجدة- أيضا- شاهد على ذلك، حيث يقول سبحانه و تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ.
و قال بعضهم بأنّ «ما» هنا موصولة، بحيث يكون معنى الجملة «لتنذر قوما بالذي انذر آباؤهم».
و بعض احتملوا أنّ «ما» مصدرية، و عليه يكون معنى الجملة «لتنذر قوما بنفس الإنذار الذي كان لآبائهم»، و لكن يبدو أنّ كلا الاحتمالين ضعيف.
[١]- نهج البلاغة، خ ٣٣ و ١٠٤.