الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - التّفسير
الغلل (على وزن عمل) للماء الجاري بين الشجر. و «الغل» الحلقة حول العنق أو اليدين و تربط بعد ذلك بسلسلة، و بما أنّ العنق أو اليدين تقع في ما بينها فقد استعملت هذه المفردة في هذا المورد، و حينا تكون الأغلال في العنق مربوطة بسلسلة مستقلّة عمّا تربط به أغلال الأيدي، و حينا تكون جميعها مربوطة بسلسلة واحدة فيكون الشخص بذلك تحت ضغط شديد و في محدودية و عذاب شديدين.
و إذا قيل لحالة العطش الشديد أو الحسرة و الغضب «غلة» فإنّ ذلك لنفوذ تلك الحالة في داخل قلب و جسم الإنسان، و أساسا فإنّ مادّة «غل»- على وزن جدّ- بمعنى الدخول أو الإدخال، لذا قيل عن حاصل الكسب أو الزراعة و أمثالها «غلة» [١].
و قد تكون حلقة «الغل» حول الرقبة عريضة أحيانا بحيث تضغط على الذقن و ترفع الرأس إلى الأعلى، من هنا فإنّ المقيّد يتحمّل عذابا فوق العذاب الذي يتحمّله من ذلك القيد بأنّه لا يستطيع مشاهدة أطرافه.
و يا له من تمثيل رائع حيث شبّه القرآن الكريم حال عبدة الأوثان المشركين بحال هذا الإنسان، فقد طوّقوا أنفسهم بطوق «التقليد الأعمى»، و ربطوا ذلك بسلسلة «العادات و التقاليد الخرافية» فكانت تلك الأغلال من العرض و الاتّساع أنّها أبقت رؤوسهم تنظر إلى الأعلى و حرمتهم بذلك من رؤية الحقائق، و بذلك فإنّهم أسرى لا يملكون القدرة و الفعّالية و الحركة، و لا قدرة الإبصار [٢].
على أيّة حال فإنّ الآية الذي أعلاه، تعتبر شرحا لحال تلك الفئة الكافرة في الدنيا و حالهم في عالم الآخرة الذي هو تجسيد لمسائل هذا العالم، و ليس من الغريب استخدام صيغة الماضي في تصوير حال الآخرة هنا، فإنّ الكثير من الآيات
[١]- مفردات الراغب، و قطر المحيط، و مجمع البحرين، مادّة غل.
[٢]- على ما أوردناه أصبح واضحا أنّ الضمير «هي» في جملة فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ يعود على «الأغلال» بحيث إنّها رفعت أذقانهم إلى الأعلى، و جملة «فهم مقمحون» تفريع على ذلك. و ما احتمله البعض من أنّ «هي» تعود على «الأيدي» التي لم يرد ذكرها في الآية، يبدو بعيدا جدّا.