الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٤ - التّفسير
و الجميل أنّ القرآن الكريم أجابه بجملة وجيزة مقتضبة و هي قوله تعالى:
وَ نَسِيَ خَلْقَهُ. و إن كان قد أردف مضيفا توضيحا أكثر.
فكأنّه يقول: لو لم تنس بدء خلقك لما استدللت بهذا الاستدلال الواهي الفارغ أبدا.
أيّها الإنسان الكثير النسيان، عد قليلا إلى الوراء و انظر في خلقك، كيف كنت نطفة تافهة و كلّ يوم أنت في لبس جديد من مراحل الحياة، فأنت في حال موت و بعث مستمرين، فمن جماد أصبحت رجلا بالغا، و بكميّة من عالم النبات الجامد، و من عالم الحيوان الميّت أيضا أصبحت إنسانا، و لكنّك نسيت كلّ ذلك و صرت تسأل: من يحيي العظام و هي رميم؟ ألم تكن أنت في البدء ترابا كما هو حال هذه العظام بعد تفسّخها؟! لذا فإنّ اللّه سبحانه و تعالى يأمر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأن يقول لهذا المغرور الأحمق الناسي قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ.
فإذا كان بين يديك اليوم بقيّة من العظام المتفسّخة تذكّرك به، فقد مرّ يوم لم تكن فيه شيئا و لا حتّى ترابا، نعم، أ فليس سهلا على من خلقك من العدم أن يعيد الحياة إلى العظام المهترئة؟! و إذا كنت تعتقد بأنّ هذه العظام بعد تفسّخها تصبح ترابا و تنتشر في الأصقاع، فمن يستطيع عند ذلك أن يجمع تلك الأجزاء المبعثرة من نقاط انتشارها؟ فإنّ الجواب على ذلك أيضا واضح: وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
فمن كان له مثل هذا (العلم) و هذه (القدرة) فإنّ مسألة المعاد و إحياء الموتى لا تشكّل بالنسبة إليه أيّة مشكلة. فنحن نستطيع بقطعة من «المغناطيس» جمع برادة الحديد المبثوثة في كميّة من التراب و في لحظات، و اللّه العالم القادر يستطيع كذلك بأمر واحد أن يجمع ذرّات بدن الإنسان من كلّ موضع كانت فيه من الكرة الأرضية. فهو العالم ليس بخلق الإنسان فقط، بل هو العالم بنواياه و أعماله أيضا،