الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٤ - صيحة النشور!
تقول الآية الكريمة الاولى: وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فإذا لم تستطيعوا تشخيص زمان دقيق لقيام الساعة، فمعنى هذا أنّكم لستم صادقين في حديثكم.
الآية التالية ترد على هذا التساؤل المقرون بالسخرية بجواب قاطع حازم، و تخبرهم بأنّ قيام الساعة ليس بالأمر المعقّد أو المشكل بالنسبة إلى اللّه سبحانه و تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ.
فكلّ ما يقع هو صيحة سماوية كافية لأن تقبض فيها أرواح جميع المتبقّين من الناس على سطح الأرض بلحظة واحدة و هم على حالهم، و تنتهي هذه الحياة المليئة بالصخب و الدعاوى و المعارك و الحروب، ليتخلّف وراءها صمت مطبق، و تخلو الأرض من أي صوت أو إزعاج.
و
في حديث عن الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «تقوم الساعة و الرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتّى تقوم، و الرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتّى تقوم، و الرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتّى تقوم» [١].
جملة «ما ينظرون» هنا بمعنى «ما ينتظرون»، فكما يقول (الراغب) في مفرداته «النظر تقليب البصر و البصيرة لإدراك الشيء و رؤيته، و قد يراد به التأمّل و الفحص، و قد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، و هو الرويّة، و النظر الانتظار».
«صيحة» صاح: رفع الصوت، و أصله تشقيق الصوت من قولهم انصاح الخشب أو الثوب إذا انشقّ فسمع منه صوت، و صيح الثوب كذلك، و يقال: بأرض فلان شجر قد صاح، إذا طال فتبيّن للناظر لطوله، و دلّ على نفسه بصوته.
«يخصّمون» من مادّة «خصم» بمعنى النزاع.
[١]- مجمع البيان، ج ٤، ص ٤٢٧. و ذكرت هذه الرواية بتفاوت قليل في تفسير «القرطبي» و «روح المعاني» و غيرهما.