الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٦ - داود و الامتحان الكبير
بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ.
و هذا الأمر ليس بجديد، إذ أنّ الكثير من الأصدقاء و المخالطين بعضهم لبعض يبغي على صاحبه، إلّا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و هم قلّة: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِيلٌ ما هُمْ [١] [٢].
نعم فالأشخاص الذين يراعون بصورة كاملة في معاشرتهم و صداقتهم الطرف المقابل، و لا يعتدون عليه أدنى اعتداء و يؤدّون حقوق أصدقائهم و معارفهم بصورة كاملة قليلون جدّا، و هم المتزوّدون بالإيمان و العمل الصالح.
على أيّة حال، فالظاهر أنّ طرفي الخصام اقتنعا بكلام داود عليه السّلام و غادرا المكان.
و لكن داود غرق في التفكير بعد مغادرتهما، رغم أنّه كان يعتقد أنّه قضى بالعدل بين المتخاصمين، فلو كان الطرف الثاني مخالفا لادّعاءات الطرف الأوّل- أي المدّعي- لكان قد اعترض عليه، إذن فسكوته هو خير دليل على أنّ القضيّة هي كما طرحها المدّعي.
و لكن آداب مجلس القضاء تفرض على داود أن يتريّث في إصدار الأحكام و لا يتعجّل في إصدارها، و كان عليه أن يسأل الطرف الثاني أيضا ثمّ يحكم بينهما، فلذا ندم كثيرا على عمله هذا، و ظنّ أنّما فتنة الباري عزّ و جلّ بهذه الحادثة وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ.
و هنا أدركته طبيعته، و هي أنّه أوّاب، إذ طلب العفو و المغفرة من ربّه و خرّ راكعا
[١]- «خلطاء» جمع (خليط) و تعني الأشخاص أو الأشياء المخلوطة بعضها مع بعض، كما تطلق على الصديق و الشريك و الجار، و رغم أنّ الظلم و الاعتداء لم يختصّ بالخلطاء، إلّا أنّ ذكر هذه المجموعة بسبب وجود الاتّصالات المتكرّرة فيما بينهم، و احتمال حدوث سوء تفاهم فيما بينهم، أو بسبب عدم توقّع حدوث أي ظلم و طغيان من قبل أولئك.
[٢]- تركيب الجملة هكذا (هم) مبتدأ و (قليل) خبر إنّ و (ما) زائدة وردت هنا للمبالغة في القليل.