الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - تكفيهم صيحة سماوية واحدة
بحقّه إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ [١].
و التأريخ بيّن كيف أنّ كلّ قوم من تلك الأقوام ابيد بشكل من أشكال العذاب، و كيف أنّ مدنهم تحوّلت إلى خرائب و أطلال خلال لحظات، و أصبح ساكنوها أجساد بلا أرواح!! فهل يتوقّع مشركو مكّة أن يكون مصيرهم أفضل من مصير أولئك من جرّاء الأعمال العدائية التي يقومون بها؟ في حين أنّ أعمالهم هي نفس أعمال أولئك، و سنّة اللّه هي نفس تلك السنّة؟
لذا فإنّ الآية التالية تخاطبهم بلغة التهديد الحازمة و القاطعة: ما ينتظر هؤلاء من جرّاء أعمالهم إلّا صيحة سماوية واحدة تقضي عليهم و تهلكهم و ما لهم من رجوع، وَ ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ.
يمكن أن تكون هذه الصيحة مماثلة للصيحات السابقة التي نزلت على الأقوام الماضية، كأن تكون صاعقة رهيبة أو زلزالا عنيفا يدمّر حياتهم و ينهيها.
و قد تكون إشارة إلى صيحة يوم القيامة، التي عبّر عنها القرآن الكريم ب (النفخة الاولى في الصور).
اعترض بعض المفسّرين على التّفسير الأوّل، و اعتبروه مخالفا لما جاء في الآية (٣٣) من سورة الأنفال التي تقول: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ.
أمّا بالنظر إلى أنّ المشركين كانوا لا يعتقدون برسول الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا يؤمنون برسالته، بالإضافة إلى كون أعمالهم تشابه أعمال الأقوام السابقة التي أهلكت بالصيحات السماوية، لذا فعليهم أن يتوقّعوا مثل ذلك المصير و في أيّ لحظة، لأنّ الآية تتحدّث عن (الانتظار).
كما اعترض آخرون على التّفسير الثاني بأنّ مشركي مكّة لن يبقوا أحياء حتّى
[١]- عبارة (فحقّ عقاب) في الأصل (فحقّ عقابي)، و قد حذفت الياء منها، طبقا للمعمول به، و أبقيت الكسرة لتدلّ عليها. (حقّ) فعل و (عقاب) فاعل، يعني أنّ عقابي وجب عليهم و سيتحقّق.