الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٩ - لو لا لطف اللّه و رحمته!
مصيرهم و تهذيب أخلاقهم ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ.
نعم لو أراد اللّه مؤاخذتهم على ذنوبهم لأنزل عليهم عقوبات متتالية، صواعق، و زلازل، و طوفانات، فيدمّر المجرمين و لا يبقى أثرا للحياة على هذه الأرض.
وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى و يعطيهم فرصة للتوبة و إصلاح النفس.
هذا الحلم و الإمهال الإلهي له أبعاد و حسابات خاصّة، فهو إمهال إلى أن يحلّ أجلهم فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً [١] فانّه تعالى يرى أعمالهم و مطّلع على نيّاتهم.
هنا يطرح سؤالان، جوابهما يتّضح ممّا ذكرناه أعلاه:
الأوّل: هل أنّ هذا الحكم العام ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ يشمل حتّى الأنبياء و الأولياء و الصالحين أيضا؟
الجواب واضح، لأنّ المعني بأمثال هذا الحكم هم الأغلبية و الأكثرية منهم، و الرسل و الأئمّة و الصلحاء الذين هم أقلّية خارجون عن ذلك الحكم، و الخلاصة أنّ كلّ حكم له استثناءات، و الأنبياء و الصالحون مستثنون من هذا الحكم. تماما مثلما نقول: إنّ أهل الدنيا غافلون و حريصون و مغرورون، و المقصود الأكثرية منهم، في الآية (٤١) من سورة الروم نقرأ ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فبديهي أن الفساد ليس نتيجة لأعمال جميع البشر، بل هو نتيجة لأعمال أكثريتهم.
و كذلك فإنّ الآية (٣٢) من نفس هذه السورة، التي قسّمت الناس إلى ثلاث مجموعات «ظالم» و «مقتصد» و «سابق بالخيرات» شاهد آخر على هذا المعنى.
[١]- جملة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ جملة شرطية، و جزاؤها يقع في تقدير جواب الشرط هكذا «فإذا جاء أجلهم يجازى كلّ واحد بما عمل»، و عليه فإنّ جملة «فإنّ اللّه» من قبيل «علّة الجزاء» و هي تقوم مقام المعلول المحذوف. و يحتمل كذلك أنّ الجزاء هو لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ كما ورد في آيات اخرى من القرآن الكريم كالآية ٦١ من سورة النحل، و عليه فإنّ جملة فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً إشارة إلى أنّ اللّه يعرفهم جميعا، و يعلم أيّا منهم أبلغ أجله لكي يأخذه بقدرته تعالى.