الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٤ - ٢- هل أنّ الموتى واقعا لا يدركون؟
أمر يوم بدر بأربعة و عشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طويّ من أطواء بدر خبيث مخبث، و كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلمّا كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته، فشدّ عليها رحلها ثمّ مشى و اتّبعه أصحابه و قالوا: ما نراه ينطلق إلّا لبعض حاجته، حتّى قام على شفة الركي مجفل يناديهم بأسمائهم و أسماء آبائهم: يا فلان بن فلان و يا فلان بن فلان أ يسّركم أنّكم أطعتم اللّه و رسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ قال:
فقال عمر: يا رسول اللّه ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها؟
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و الّذي نفس محمّد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» [١].
أو ما ورد في آداب دفن الموتى من تلقينهم عقائد الحقّ.
فكيف يمكن التوفيق بين هذه الأمور و الآيات مورد البحث أعلاه.
يتّضح الجواب على هذا السؤال إذا أخذنا بنظر الإعتبار ما يلي: إنّ الحديث في الآيات كان حول عدم إدراك الموتى بالشكل الطبيعي و الاعتيادي، أمّا الرواية التي ذكرناها أو تلقين الميّت فإنّما ترتبط بظروف خاصّة و غير عاديّة، حيث أنّ اللّه سبحانه مكّن حديث الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في تلك الحالة من الوصول إلى أسماع الموتى.
و بتعبير آخر فإنّ الإنسان في عالم البرزخ ينقطع ارتباطه مع عالم الدنيا، إلّا في الموارد التي يأذن اللّه فيها أن يوصل هذا الارتباط، و لذا فإنّنا لا نستطيع عادة الاتّصال بالموتى في الظروف العادية.
السؤال الآخر: هو إذا كان حديثنا غير بالغ أسماع الموتى فما معنى لسلامنا على الرّسول الأكرم و الأئمّة عليهم السّلام و التوسّل بهم، و زيارة قبورهم، و طلب الشفاعة منهم عند اللّه؟
[١]- تفسير «روح البيان» ذيل الآيات مورد البحث: و ورد هذا الحديث أيضا في صحيح البخاري بتفاوت يسير (صحيح البخاري، الجزء الخامس، ص ٩٧ باب قتل أبي جهل).