الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٩ - يونس في بوتقة الامتحان
الذين أرسلهم إلى تلك الأقوام مع القلّة القليلة ممّن اتّبعهم.
إلّا أنّ قضيّة نبي اللّه يونس تنتهي أحداثها بشكل معاكس لما انتهت إليه تلك القصص، إذ أنّ قوم يونس صحوا من غفلتهم و تابوا إلى اللّه فور مشاهدتهم دلائل العذاب الإلهي الذي سيحلّ لهم إن لم يؤمنوا، و أنّ اللّه شملهم بلطفه و أنزل عليهم بركاته الماديّة و المعنوية، و في المقابل فإنّ نبي اللّه يونس ابتلي ببعض الابتلاءات و المشاكل لأنّه تعجّل في ترك قومه و هجره إيّاهم، حتّى أنّ القرآن المجيد أطلق عليه كلمة (أبق) و التي تعني هرب العبد من مولاه! و هذه القصّة بمثابة خطاب موجّه لمشركي قريش، و إلى كلّ البشر على طول التأريخ، جاء فيه: هل تريدون أن تكونوا كالأقوام الخمسة الماضية، أم كقوم يونس؟ و هل ترغبون في أن تكون عاقبتكم الشؤم و الألم؟ أما ترغبون في أن تنتهي عواقبكم بخير و سعادة؟ اعلموا أنّ ذلك مرتبط بما تعزمون عليه.
على أيّة حال، فإنّ ذكر هذا النّبي العظيم و قصّته مع قومه، وردت في سور متعدّدة من سور القرآن المجيد (منها سورة الأنبياء، و يونس، و القلم، و في هذه السورة أي الصافات) و عكست كلّ واحدة منها جوانب من أوضاعه و حياته، و سورة «الصافات» هذه تسلّط الأضواء أكثر على قضيّة هرب يونس و ابتلاءه، و من ثمّ نجاته من بطن الحوت.
في البداية، و كما تعوّدنا في القصص السابقة، فإنّ الحديث يكون عن مقام رسالته، إذ تقول الآية: وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
نبي اللّه «يونس» عليه السّلام كسائر الأنبياء العظام بدأ بالدعوة إلى توحيد اللّه و مجاهدة عبدة الأصنام، و من ثمّ محاربة الأوضاع الفاسدة التي كانت منتشرة في مجتمعه آنذاك، إلّا أنّ قومه المتعصّبين الذين كانوا يقلّدون أجدادهم الأوائل رفضوا الاستجابة لدعوته.
استمرّ يونس عليه السّلام بوعظ قومه بقلب حزين لأجلهم، مريدا لهم الخير و كأنّه أب