الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٩ - حياة أيّوب المليئة بالحوادث و العبر
حقّا إنّ شماتة أصحابه كانت أكثر ألما عليه من أيّة مصيبة اخرى حلّت به، و رغم هذا لم يفقد أيّوب صبره، و لم يلوّث شكره الصافي كالماء الزلال بالكفر، و إنّما توجّه إلى البارئ عزّ و جلّ و ذكر العبارة التي ذكرناها آنفا، أي قوله تعالى:
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ و لكونه خرج من الامتحان الإلهي بنتيجة جيّدة، فتح الباري عزّ و جلّ- مرّة اخرى- أبواب رحمته على عبده الصابر المتحمّل أيّوب، و أعاد عليه النعم التي افتقدها الواحدة تلو الاخرى، لا بل أكثر ممّا كان يمتلك من المال و الزرع و الغنم و الأولاد، و ذلك كي يفهم الجميع العاقبة الحسنة للصبر و التحمّل و الشكر.
بعض كبار المفسّرين، احتملوا أنّ الوساوس التي وسوس بها الشيطان في قلب أيّوب هي المقصودة من أذى و عذاب الشيطان لأيّوب، إذ كان يقول له أحيانا: لقد طالت فترة مرضك، و يبدو أنّ ربّك قد نسيك! و أحيانا كان يقول له: ما زلت تشكر اللّه رغم أنّه أخذ منك النعم العظيمة و السلامة و القوّة و القدرة! يحتمل أنّهم ذكروا هذا التّفسير لكونهم يستبعدون إمكانية تسلّط الشيطان على الأنبياء كأيّوب، و لكن مع الانتباه إلى أنّ هذه السلطة: أوّلا: كانت بأمر من اللّه.
و ثانيا: محدودة و مؤقتة. و ثالثا: لامتحان هذا النّبي الكبير و رفع شأنه، فلا إشكال في ذلك.
على أيّة حال، قيل: إنّ فترة ألمه و عذابه و مرضه كانت سبع سنين، و في رواية اخرى قيل: إنّها كانت (١٨) سنة، و حالته و صلت إلى حدّ بحيث تركه أصحابه و حتّى أقرب المقربين إليه، عدا زوجته التي صمدت معه و أظهرت وفاءها له. و هذا شاهد على وفاء بعض الزوجات! و أشدّ ما آذى و آلم روح أيّوب عليه السّلام من بين ذلك الأذى و العذاب الذي مرّ به، هو شماتة أعدائه، لذا فقد جاء في إحدى الروايات أنّ أيّوب عليه السّلام سئل بعد ما عافاه