الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٥ - تكبّر الشيطان و طرده من رحمة اللّه!
خارقة تجعله لائقا لخلافة اللّه، و الذي سجدت له الملائكة بأجمعها فور اكتمال عملية خلقه فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ.
إلّا أنّ إبليس كان الوحيد الذي أبى أن يسجد لآدم لتكبّره و تمرّده و طغيانه، و لهذا السبب أنزل من مقامه الرفيع إلى صفوف الكافرين: إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ.
نعم، فالتكبّر و الغرور من أقبح الأمور التي يبتلى بها الإنسان، إذ أنّهما يسدلان الستار على عينه و بصيرته، و يحرماه من إدراك الحقائق و فهمها، و يؤدّيان به إلى التمرّد و العصيان، و يخرجانه أيضا من صفوف المؤمنين المطيعين للّه إلى صفّ الكافرين الباغين و الطاغين، ذلك الصفّ الذي يترأسه إبليس و يقف في مقدّمته.
و هنا استجوب البارئ عزّ و جلّ إبليس: قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ من البديهي أنّ عبارة (يدي) لا تعني الأيدي الحقيقيّة المحسوسة، لأنّ البارئ عزّ و جلّ منزّه عن كافّة أشكال الجسم و التجسيم، و إنّما «اليد» هنا كناية عن القدرة، و من الطبيعي أنّ الإنسان يستعمل يديه ليظهر قدرته على إنجاز العمل، و كثيرا ما تستخدم اليد بهذا المعنى في محادثاتنا اليومية، إذ يقال: إنّ البلد الفلاني بيد المجموعة الفلانية، أو إنّ المسجد الفلاني بني على يد الشخص الفلاني، و أحيانا يقال: إنّ يدي قصيرة، أو إنّ يدك مملوءة، اليد في كلّ تلك الجمل ليس المقصود منها اليد الحقيقية التي هي أحد أعضاء الجسم، بل كناية عن القدرة و السلطة و التمكّن.
و من هنا فإنّ الإنسان ينفّذ أعماله المهمّة بكلتا يديه، و استخدامه كلتا يديه يبيّن اهتمامه و تعلّقه بذلك العمل، و مجيء هذه العبارة في الآية المذكورة أعلاه إنّما هو كناية عن الاهتمام الخاصّ الذي أولاه البارئ عزّ و جلّ لعملية خلق الإنسان.
ثمّ تضيف الآية: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي أ كان عدم سجودك لأنّك استكبرت، أم كنت من الذين يعلو قدرهم عن أن يؤمروا بالسجود؟!