الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - شرح برهان الإمكان و الوجوب «الفقر و الغنى»
حسابا جميعا، بل إنّ كلّ فرد يحاسب بشكل مستقل، أي إنّ الفرد إذا أدّى ما عليه من تطهير نفسه، و محاربة الفساد، فليس عليه أدنى بأس أو خوف إذا كان العالم بأسره ملوّثين بالكفر و الشرك و الظلم و المعصية.
و أساسا فلن يكون لأي برنامج تربوي أثر ما لم يولّ اهتماما لهذا الأصل المهمّ (دقّق النظر)!! هذه المسألة تطرح في الجملة الثانية من الآية بشكل آخر، يقول تعالى: وَ إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى [١].
في حديث عن ابن عبّاس أو غيره، أنّ امّا و ابنها يأتيان في يوم القيامة و كلّا منهما عليه ذنوب كثيرة، و تطلب الامّ من ابنها أن يحمل عنها بعض تلك المسؤوليات في قبال تربيتها له و حملها به، فيقول لها ابتعدي عنّي فأنا أسوأ منك حالا [٢].
و يبرز هنا السؤال التالي: هل أنّ هذه الآية تنافي ما ورد في الروايات الكثيرة حول السنّة السيّئة و السنّة الحسنة؟ حيث أنّ الروايات تقول:
«من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء، و من سنّ سنّة سيّئة كان له وزرها و وزر من عمل بها».
و لكنّنا إذا التفتنا إلى نكتة واحدة، يتّضح الجواب على هذا السؤال، و هي أنّ عدم تسجيل ذنب أحد على آخر، إنّما هو في صورة أن لا يكون له سهم في ذلك
[١]- «مثقلة» بمعنى «الحامل لحمل ثقيل» و يقصد بها هنا حامل الوزر على عاتقه، و (حمل): على ما يقوله الراغب: معنى واحد اعتبر في أشياء كثيرة، فسوّي بين لفظة في فعل و فرّق بين كثير منها في مصادرها، فقيل في الأثقال المحمولة في الظاهر كالشيء المحمول على الظهر (حمل)، و في الأثقال المحمولة في الباطن (حمل) كالولد في البطن و الماء في السحاب و الثمرة في الشجرة تشبيها بحمل المرأة، و لأنّ ما ورد في هذه الآية، هو تشبيه للذنب بالحمل المحمول على العاتق، فيجب أن تقرأ بكسر الحاء.
[٢]- مع أنّ الحديث ورد في تفاسير مختلفة حينا عن الفضيل بن عيّاض، و حينا عن ابن عبّاس، و لكن يستبعد أن يكون الحديث عنهما مستقلا، فمن الممكن أن يكون أصل الحديث عن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
راجع تفسير (أبو الفتوح، و القرطبي، و روح البيان) و قد أوردناه بالمعنى.