الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - هل نبعث من جديد؟
و هل سيبعث آباؤنا الأوّلون أيضا؟ أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ. فمن يستطيع جمع تلك العظام النخرة و أكوام التراب المتفرّقة المتبقّية من الإنسان؟ و من يتمكّن من إعادة الحياة إليها؟
فهؤلاء ذوي القلوب العمياء نسوا أنّهم كانوا ترابا في اليوم الأوّل، و من التراب خلقوا، و إذ كانوا يشكّكون في قدرة اللّه، فعليهم أن يعرفوا أنّ اللّه كان قد أراهم قدرته، و إن كانوا يشكّكون باستحالة التراب، فقد أثبت ذلك من قبل، و علاوة على هذا فإنّ خلق السماوات و الأرض بكلّ هذه العظمة لا تترك أي مجال للشكّ عند أحد في قدرة الباري عزّ و جلّ المطلقة.
ممّا يذكر أنّ منكري البعث صاغوا أقوالهم بشكل عبارات مؤكّدة (إذ أنّ جملة أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ هي جملة اسمية استخدمت فيها (إن) و (لام) و التي تأتي كلّ منهما للتأكيد) و ذلك لجهلهم و لجاجتهم.
و ممّا يلفت النظر أنّ كلمة (التراب) قدّمت على (العظام) و هذا الأمر يحتمل أنّه يشير إلى إحدى النقاط الثلاث الآتية:
أوّلا: إنّ الإنسان بعد وفاته يصير عظاما في بداية الأمر، ثمّ يتحوّل إلى تراب، و بما أنّ إعادة التراب إلى الحياة يعدّ شيئا عجيبا، لهذا قدّمت كلمة التراب.
ثانيا: عند اندثار أبدان الأموات، في البداية تتحوّل اللحوم إلى تراب و تبقى إلى جانب العظام، و لهذا فهناك تراب و عظام في آن واحد.
ثالثا: التراب يشير إلى أجساد الأجداد الأوّلين، و العظام تشير إلى أبدان الآباء و التي لم تتحوّل بعد إلى تراب.
ثمّ يردّ القرآن على تساؤلاتهم بلهجة شديدة و عنيفة، عند ما يقول للرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قل لهم: نعم أنتم و أجدادكم ستبعثون صاغرين مهانين أذلّاء، قُلْ نَعَمْ وَ أَنْتُمْ داخِرُونَ [١].
[١]- (داخر) من مادّة (دخر) على وزن فخر (دخور)، و كلتاهما تعطي معنى الذلّة و الحقارة. الآية أعلاه فيها جملة