العروة الوثقى مع تعاليق بعض الأعاظم - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٣٣٥ - مقدّمة في آداب السفر ومستحبّاته لحجّ أو غيره
والثناء، وأن لا يجعل سفره هذا على ما عليه كثير من مترفي عصرنا من جعله وسيلة للرفعة والافتخار، بل وصلة إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان وتصفّح الأمصار، وأن يراعي أسراره الخفيّة ودقائقه الجليّة، كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض الأعلام: إنّ الله تعالى سنّ الحجّ ووضعه على عباده إظهاراً لجلاله وكبريائه، وعلوّ شأنه وعظم سلطانه، وإعلاناً لرقّ الناس وعبوديّتهم وذلّهم واستكانتهم، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم، والملاّك لمماليكهم، يستذلّونهم بالوقوف على باب بعد باب واللبث في حجاب بعد حجاب، وإنّ الله تعالى قد شرّف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه، واصطفاه لقدسه، وجعله قياماً للعباد، ومقصداً يؤمّ من جميع البلاد، وجعل ما حوله حرماً، وجعل الحرم آمناً، وجعل فيه ميداناً ومجالاً وجعل له في الحلّ شبيهاً ومثالاً، فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين، ثمّ أذّن في الناس بالحجّ ليأتوه رجالاً وركباناً منكلّ فجّ، وأمرهم بالإحرام وتغيير الهيئة واللباس شعثاً غبراً متواضعين مستكينين، رافعين أصواتهم بالتلبية، وإجابة الدعوة، حتّى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول، وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرّعون إليه، حتّى إذا طال تضرّعهم واستكانتهم ورجموا شياطينهم بجمارهم، وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تفثهم، ليطهروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه، وليزوروا البيت على طهارة منهم، ثمّ يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرقّ وكنه العبوديّة، فجعلهم تارة يطوفون فيه، ويتعلّقون بأستاره، ويلوذون بأركانه، واُخرى يسعون بين يديه مشياً وعدواً، ليتبيّن لهم عزّ الربوبيّة، وذلّ العبوديّة، وليعرفوا أنفسهم، ويضع الكبر من رؤوسهم، ويجعل نير الخضوع في أعناقهم، ويستشعروا شعار المذلّة، وينزعوا ملابس الفخر والعزّة وهذا من أعظم فوائد الحجّ، مضافاً إلى ما فيه من التذكّر بالإحرام والوقوف في المشاعر العظام لأحوال المحشر، وأهوال يوم القيامة، إذ الحجّ هو الحشر الأصغر، وإحرام الناس وتلبيتهم وحشرهم إلى المواقف ووقوفهم بها والهين متضرّعين راجعين إلى الفلاح أو الخيبة والشقاء، أشبه شيء بخروج الناس من أجداثهم، وتوشّحهم بأكفانهم، واستغاثتهم من ذنوبهم، وحشرهم إلى صعيد واحد إلى نعيم أو عذاب أليم، بل حركات الحاجّ في طوافهم وسعيهم ورجوعهم وعودهم يشبه أطوار الخائف