النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٢٦ - حكم الاسم السابق فى الاشتغال
و ثانيهما: إعرابه مفعولا به لعامل محذوف وجوبا، يدل عليه و يرشد إليه العامل المذكور بعده فى الجملة، فيكون العامل المحذوف وجوبا مشاركا للمذكور إما فى لفظه و معناه معا، و إما فى معناه، فقط، و لا يصح الجمع بين العاملين ما داما مشتركين [١] ، إذ الموجود عوض عن المحذوف. فمثال الأول: الأمين شاركته، فالتقدير: شاركت الأمين شاركته. و مثال الثانى: البيت قعدت فيه، التقدير: لابست البيت، قعدت فيه: أو: لازمت البيت، قعدت فيه. و مثل:
الحديقة مررت بها؛ أى: جاوزت الحديقة مررت بها. و هكذا نستأنس بالعامل الموجود فى الوصول إلى العامل المحذوف وجوبا من غير أن نتقيد بلفظ العامل الموجود أحيانا. أمّا معناه فنحن مقيدون به فى كل حالات الاشتغال.
مع جواز الأمرين السالفين فالأول (و هو إعرابه مبتدأ) أحسن؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير عامل محذوف، و لا إلى التفكير فى اختياره، و فى موافقته للعامل المذكور، و قد تكون موافقته معنوية فقط؛ فتحتاج-أحيانا-إلى كدّ الفكر [٢] .
*** و النحاة يتخيرون هذا الموضع للكلام على حكم كثير من الأسماء المتقدمة على عواملها، و ينتهزون فرصة «الاشتغال» ليعرضوا أحكام تلك الأسماء؛ سواء منها ما يدخل فى باب «الاشتغال» و تنطبق عليه أوصافه التى عرفناها، و ما لا يدخل فيه، و لا تنطبق عليه صفاته [٣] . و هم يقسمونها ثلاثة أقسام [٤] : ما يجب نصبه، و ما يجب رفعه، و ما يجوز فيه الأمران.
[١] فإن لم يكونا مشتركين جاز أن يكون الأول مذكورا. و معنى هذا جواز نصب الاسم السابق بفعل مخالف للمذكور؛ فلا اشتغال معه؛ -كما سنوضحه فى الزيادة و التفصيل فى رقم ٢ من ص؛ ١٣-.
[٢] و البلاغيون يفرقون بين الأمرين؛ إذ يترتب على أحدهما أن تكون الجملة اسمية، و على الآخر أن تكون فعلية، و فرق بلاغى بين المدلولين مع صحتهما؛ لهذا يقولون: إن أحسن الأمرين هو ما يتفق مدلوله مع غرض المتكلم. فإن لم يعرف غرضه فهما سيّان.
[٣] كالحالة التى يجب فيها رفع الاسم السابق؛ إذ لا ينطبق عليها فى الصحيح تعريف «الاشتغال» الأصيل. و مثلها حالات الرفع الأخرى التى يكون الرفع فيها جائزا، فحالة الرفع بنوعيه لا ينطبق عليها -فى الصحيح-الاشتغال الحقيقى، ما دام الاسم مرفوعا-كما سيجىء فى «ب» من ص ١٢٨ ثم انظر رقم ٣ من ص ١٣٤-.
[٤] الواقع أنهم يقسمونها خمسة أقسام، «قسم يجب فيه النصب، و قسم يجب فيه الرفع، و قسم يجوز فيه الأمران و النصب أرجح، و قسم يجوز فيه الأمران و الرفع أرجح، و قسم يجوز فيه الأمران على-