النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١١٧ - المسألة ٦٨
إلى هنا انتهى الكلام على الأشياء التى يصلح كل واحد منها أن يكون نائب فاعل إذا لم يوجد غيره فى الجملة، فإذا وجد أكثر من واحد صالح للإنابة لم يجز أن ينوب عن الفاعل إلا واحد فقط؛ لأن نائب الفاعل-كالفاعل-لا يتعدد.
لكن ما الأحق بالنيابة عند وجود نوعين مختلفين، صالحين أو أكثر؟
يميل كثير من النحاة إلى الرأى القائل باختيار المفعول به [١] دائما، (أى: فى كل الحالات) ؛ ليكون هو النائب، و يفضلونه على غيره. و هم-مع ذلك-يجيزون ترك الأفضل؛ ففى مثل: أنشد الشاعر القصيدة إنشادا بارعا فى الحفل أمام الحاضرين، يكون الأفضل عندهم-حين بناء الفعل للمجهول-اختيار المفعول به نائبا؛ فيقال: أنشدت القصيدة، إنشادا بارعا، فى الحفل أمام الحاضرين.
و لا مانع من ترك الأفضل و اختيار غيره، كما قالوا.
و الحق أن الرأى السديد الأنسب هو أن نختار من تلك الأنواع ما له الأهمية فى إيضاح الغرض، و إبراز المعنى المراد، من غير تقيد بأنه مفعول به أو غير مفعول به، و أنه أوّل أو غير أوّل، متقدم على البقية أو غير متقدم. ففى مثل: «خطف اللصّ الحقيبة من يد صاحبتها أمام الراكبين فى السيارة» -تكون نيابة الظرف:
«أمام» أولى من نيابة غيره؛ فيقال خطف أمام الراكبين فى السيارة الحقيبة من يد صاحبتها؛ لأن أهم شىء فى الخبر و أعجبه أن تقع الحادثة أمام الراكبين، و بحضورهم؛ و هم جمع كبير يشاهد الحادث فلا يدفعه، و لا يبالى بهم اللص...
و قد تكون الأهمية فى مثال آخر: للجار و المجرور؛ نحو: سرق فى ديوان الشرطة سلاح جنودها... و هكذا [٢] .
[١] و يبالغون، فيفضلونه، و لو كان من نوع المفعول به المنصوب على نزع الخافض. و يترتب على هذا الاختيار بعض صور لها أحكام خاصة، منها ما سيجىء فى «حـ» من ص ١١٩.
[٢] و فيما سبق يقول ابن مالك:
و قابل من ظرف لو من مصدر # أو حرف جرّ بنيابة حرى
يريد: أن اللفظ القابل للنيابة حر (أى: حقيق و جدير بها) إذا كان ذلك اللفظ ظرفا أو مصدرا؛ أو حرف جر. و لعل ابن مالك يريد: أو مجرور الحرف (فكلمة «قابل» مبتدأ خبره:
«حر» و قد حذف التنوين و رجعت الياء عند الوقف، فصارت «حرى» «من ظرف» جار و مجرور، -