النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥٣٢ - و قول ابن جنى فى الخصائص
العرب، فلا يشترط اعتبارها بشخصها، حتى يلزم فى آحاد المجاز أن ينقل بأعيانها عن أهل اللغة. و ذلك لإجماعهم على اختراع الاستعارات العربية البديعة التى لم تسمع بأعيانها من أهل اللغة، و هى من طرق البلاغة و شعبها التى بها ترتفع طبقة الكلام. فلو لم يصح لما كان كذلك، و لهذا لم يدونوا المجاز تدوينهم الحقائق.
و تمسك المخالف بأنه لو جاز التجوز بمجرد وجود العلاقة لجاز: «نخلة» لطويل، غير إنسان، للمشابهة. و «شبكة» للصيد، للمجاورة، و «أب» ، لابن، للسببية، و اللازم باطل اتفاقا.
و أجيب يمنع الملازمة، فإن العلاقة مقتضية للصحة، و التخلف عن المقتضى ليس بقادح، لجواز أن يكون لمانع مخصوص، فإن عدم المانع ليس جزءا من المقتضى.
و ذهب المصنف-رحمه اللّه-إلى أنه لم يجز نحو «نخلة» لطويل غير إنسان، لانتفاء شرط الاستعارة. و هو المشابهة فى أخص الأوصاف، أى: فيما له مزيد اختصاص بالمشبه به، كالشجاعة للأسد.
فإن قيل: الطول للنخلة كذلك، قلنا: لعل الجامع ليس مجرد الطول، بل مع فروع و أغصان فى أعاليها، و طراوة و تمايل فيها.
و لا شك أنه على القول بأن التضمين مجاز فهو لغوى علاقته تدور على المناسبة، و هى-مع أنها ليست مما نصوا عليه فى العلاقات-أمر مشترك بين أفراده، لكن الذكى يرجعها فى كل موضع إلى ما يليق به، مما هو من العلاقات المعتبرة، و بذلك يمتاز بعض الأفراد عن بعض آخر، و التخلف فى بعض الأفراد-إن فرض- لا يضر، كما علمت.
هكذا ينبغى أن يحقق المقام، و قل من حققه مع إطالته الكلام.
فنتم الكلام على بقية الأقوال. تقدم ثلاثة.
و الرابع: و هو الذى ارتضاه السيد، أن اللفظ مستعمل فى معناه الأصلى، فيكون هو المقصود أصالة، لكن قصد بتبعيته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ و يقدر له لفظ آخر. فلا يكون من الكناية و لا الإضمار، بل من الحقيقة التى قصد منها معنى آخر يناسبها و يتبعها فى الإرادة، و حينئذ يكون واضحا بلا تكلف.