النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٢٦ - زيادة و تفصيل
فمثال «إلا» الواقعة صفة لجمع حقيقى هو نكرة حقيقية: سينهزم الأعداء، فقد خرج لملاقاتهم جيش كبير، إلا القواد و الرماة. فلا يصح أن تكون «إلا» هنا حرف استثناء؛ خشية أن يفسد المعنى؛ إذ الاستثناء-كما شرحنا أول الباب-يقتضى أن يكون المعنى: خرج لملاقاتهم جيش كبير طرحنا و نقصنا منه القواد و الرماة، و لا يعقل أن يخرج جيش كبير دون قواده و رماته. و مثل: تتسع قاعة المحاضرة لجموع كثيرة إلا المحاضر، فهى هنا-كما فى المثال السابق-بمعنى: غير.
و لا يصح أن تكون بمعنى «إلا» الاستثنائية؛ لئلا يترتب على ذلك أن يكون المعنى: تتسع قاعة المحاضرة لجموع كثيرة طرحنا و نقصنا منهم المحاضر، إذ لا يعقل أن تتسع قاعة المحاضرة للسامعين، و لا تتسع للمحاضر، فلا يمكن أن يجتمعوا لسماع محاضرة من ليس له مكان عندهم، و مثل هذا قوله تعالى: (لَوْ كََانَ فِيهِمََا [١] آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا) ، فلو كانت «إلا» حرف استثناء لكان المعنى: لو كان فيهما آلهة، ليس من ضمنها اللّه لفسدتا. (أى: لو كان فيهما آلهة أخرجنا و طرحنا منها اللّه، لفسدتا) و هذا معنى باطل؛ إذ يوحى بأنهما لا تفسدان إذا كان اللّه من ضمن الآلهة و لم يخرج و لم يطرح. و هذا واضح البطلان. بخلاف ما لو كانت «إلا» اسما بمعنى: «غير» ، نعتا للنكرة قبلها؛ فإن المعنى يصح و يستقيم.
و مثال: «إلا» الاسمية الواقعة نعتا لشبه الجمع الذى هو نكرة حقيقية أن تقول للخائن: غيرك إلا الخائن يستحق الصفح، فكلمة «إلا» اسم بمعنى: «غير» و لا تصلح أن تكون استثناء لئلا يكون المعنى: غيرك من الخائنين يستحقّ الصفح إلا الخائن، و فى هذا تناقض ظاهر. أو غيرك من الأمناء مطروحا و خارجا منهم الخائن يستحقون الصفح. و الخائن ليس من الأمناء، و لا علاقة له بهم حتى يستثنى منهم [٢] . فإذا جعلنا: «إلا» بمعنى: «غير» صح المعنى و استقام و تعرب صفة لكلمة «غير» الأولى، و لا يصح أن تكون حرف استثناء لفساد المعنى و تناقضه...
و مثالها نعتا للجمع الحقيقىّ الشبيه بالنكرة: يخشى عقاب اللّه العصاة إلا الصالحون
[١] فى السماء و الأرض.
[٢] و لا يصح هنا جعل الاستثناء منقطعا؛ لعدم وجود نوع من العلاقة أو الارتباط بين المستثنى و المستثنى منه. (طبقا لما يقتضيه الاستثناء المنقطع، كما سبق فى ص ٢٩٥ و ٣٠٨) .
غ