النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ١٦ - زيادة و تفصيل
-غالبا-على حسب السماع، و ناصبا للمفعولين [١] ؛ لأن معناه: «أظنّ» الدال على الرجحان؛ نحو: كنت أرى الرحلة متعبة، فإذا هى سارّة.
[١] إذا كان المضارع «أرى» بمعنى: «أظن» ، و يعمل عمله-فكيف ينصب مفعولين مع رفعه نائب فاعل، هو فى الأصل مفعول أيضا؟أ ليس معنى هذا أنه ينصب من المفاعيل ثلاثة، مع أن الفعل:
«أظن» ينصب اثنين فقط؟
يجيب النحاة بإجابتين؛ كل واحدة منهما وافية فى تقديرهم. و فى الأولى من التعارض و التكلف ما سنعرفه.
الأولى: أن هذا المضارع: «أرى» المبنى للمجهول-غالبا، طبقا للسماع-قد يكون ماضيه هو «أرى» مفتوح الهمزة، الناصب لثلاثة من المفاعيل، و الذى معناه: «أعلم» الدال على اليقين- و سيجىء الكلام عليه فى الباب التالى ص ٥٥-؛ مثل: أرى العالم الناس السفر للكواكب سهلا؛ أى:
أعلمهم السفر سهلا... و مقتضى هذا أن يكون مضارعه ناصبا ثلاثة أيضا، و ليس ناصبا اثنين فقط.
لكن السبب فى نصبه اثنين أنه ترك معنى ماضيه، و انتقل إلى معنى آخر جديد؛ إذ صار بمعنى: الفعل المضارع: «أظنّ» لا بمعنى الفعل المضارع: أعلم و يعلم و غيرهما مما فعله الماضى: «أعلم» الدال على اليقين. فلما ترك معناه الأصلى إلى معنى فعل آخر، كان من الضرورى أن يترك عمله الأصلى ليعمل العمل المناسب للمعنى الجديد؛ فينصب مفعولين لا ثلاثة. و على هذا يتعين أن يكون ضمير المتكلم فى المضارع المبنى للمجهول فاعلا. ، و لا يصح أن يكون نائب فاعل؛ لأن اعتباره نائب فاعل يؤدى إلى اعتباره مفعولا به فى الأصل قبل أن ينوب عن الفاعل؛ فينتهى الأمر إلى أن ذلك المضارع قد نصب من المفاعيل ثلاثة.
و هذا مرفوض عندهم حتما. فالسبب فى تعدية المضارع المبنى للمجهول-سماعا-إلى مفعولين مع أن ماضيه:
«أرى» الدال على العلم و اليقين، ينصب ثلاثة-هو استعماله بمعنى الفعل: «أظن» المتعدى لاثنين، من باب الاستعمال فى اللازم؛ لأن معنى: «أرى العالم الناس السفر سهلا» هو: «جعل العالم الناس ظانين السفر سهلا» و صحة هذا المعنى تستلزم صحة قولنا: ظن الناس السفر للكواكب سهلا.
أما إن كان الفعل «أرى» مفتوح الهمزة (أى: غير مبنى للمجهول، و هذا جائز) و معناه: «أظن» فينصب مفعولين بغير حاجة لتأويل، واضح التكلف و الالتواء، كالذى سبق.
الثانية: أن الفعل: «أرى» المضارع المبنى للمجهول سماعا، ينصب ثلاثة من المفاعيل برغم أنه بمعنى: الظن، و أن ماضيه بمعنى: «أظننت» و أول المفاعيل الثلاثة هو الذى صار نائب فاعل، و يليه المفعولان المنصوبان. و يقولون: إن الفعل «أرى» المبنى للمجهول هو المضارع للفعل الماضى:
«أريت» المبنى للمجهول أيضا، بمعنى: «أظننت» كما سبق، و إن العرب لم تنطق بالماضى «أريت» إلا مبنيا للمجهول، و لم يعرف عنهم بناؤه للفاعل. كما لم يعرف عنهم أنهم قالوا: «أظننت» ببناء الماضى «أظننت» للمجهول مع أنه بمعنى الماضى «أريت» . و فى هذه الاجابة بعض اليسر و مسايرة القواعد العامة، و إن كانت-كالأولى-لا تخلو من تكلف، و التواء. و خير منها أن نقول: (إذا كان-