النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٣٢ - أحكام الظرف بنوعيه-أشهرها
و لا بد أن يتعلق [١] الظرف بناصبه (أى: بعامله) و ليس من اللازم أن يكون عامله متقدما عليه؛ كالأمثلة السالفة، فقد يكون متأخرا عنه؛ كقولهم: «الحرّ عند الحميّة لا يصطاد، و لكنه عند الكرم ينقاد، و عند الشدائد تذهب الأحقاد» .
و المشهور أنه لا يتعلق بعامله المباشر إن كان هذا العامل حرفا من حروف المعانى [٢] .
[١] معنى التعلق موضح فى «ب» ص ٢٥١ و فيها أن التعلق قد يكون بعامل معنوى، هو:
«الإسناد» .
[٢] المراد من حروف المعانى موضح، فى صدر الجزء الأول (م ٥) عند الكلام على «الحرف» و نزيد هنا ما يقوله صاحب «المفصل» -فى جـ ٨ ص ٧-من أنها حروف جاءت عوضا عن الجمل، و مفيدة معناها، بأوجز لفظ، فكل حرف منها يفيد فائدتها المعنوية مع الإيجاز و الاختصار؛ فحروف العطف جىء بها عوضا عن: «أعطف» و حروف الاستفهام جىء بها عوضا عن: «أستفهم» .
و حروف النفى إنما جاءت عوضا عن: «أجحد» ، أو: «أنفى» ، و حروف الاستثناء جاءت عوضا عن:
«أستثنى» ، أو: «لا أقصد» ، و كذلك لام التعريف نابت عن: «أعرّف» ، و حروف الجر جاءت لتنوب عن الأفعال التى بمعناها؛ فالباء نابت عن: ألصق-مثلا-و الكاف نابت عن أشبه، و كذلك سائر حروف المعانى: كأحرف النداء و التمنى...
و قد عقد صاحب المغنى-فى الجزء الثانى من كتابه-فصلا عن شبه الجملة بنوعيه (الظرف، و الجار مع مجروره) ؛ عنوانه: «هل يتعلقان بأحرف المعانى» ؟ملخصه: أن هناك ثلاثة آراء:
أولها: المنع مطلقا، و هو المشهور. ثانيها: الجواز مطلقا. ثالثها: التفصيل؛ فإن كان حرف المعنى نائبا عن فعل حذف جاز ذلك على طريق النيابة، لا الأصالة، و إلا فلا؛ فنحو «يا لمحمد» يكون الجار و المجرور متعلقين بالحرف: «يا» ؛ لنيابته عن «أدعو» ، أو: «أنادى» .
و أما الذين قالوا بالجواز مطلقا فمثلوا له بقول الشاعر:
و ما سعاد غداة البين إذ رحلوا # إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول
فالظرف: «غداة» ظرف للنفى، أى: انتفى كونها فى هذا الوقت إلا كأغن، و لا يصح تعلقه بما بعد «إلا» لأن معمول المستثنى لا يتقدم عليهما-كما سيجىء فى بابه ص ٣٠٣ م ٨١-. و مثل: ما ضربت الغلام للتأديب. فإن قصدت نفى ضرب معلل بالتأديب فالجار و المجرور متعلقا بالفعل، و المنفى ضرب مخصوص، و للتأديب تعليل للضرب المنفى. أما إذا قصدت نفى الضرب على كل حال فالجار و المجرور متعلقان بالنفى، و التعليل له. أى: أن انتفاء الضرب كان لأجل التأديب، لأنه قد يؤدب بعض الناس بالصفح عنه، و تركك إياه دون أن تضربه.
و مثله فى التعلق بحرف النفى عندهم: ما أكرمت المسىء لتأديبه، و ما أهنت المحسن لمكافأته؛ إذ لو علق هذا بالفعل لفسد المعنى المراد. و مثل هذا قوله تعالى: (مََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) ؛ فالباء متعلقة بالنفى؛ إذ لو علق الجار و المجرور بكلمة: «مجنون» و لم يتعلقا بالنفى-لأفاد نفى جنون خاص؛ هو الجنون الذى يكون من نعمة اللّه. و ليس فى الوجود جنون هو نعمة، و لا المراد نفى جنون خاص... و...
ثم قال صاحب المغنى تعليقا على هذا الرأى ما نصه: -