النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٥١١ - تنبيهات و إيضاحات
و قوله: (و تقول: ما رأيته مذ يومين... إلخ) ، يريد من قوله: (فجعلته غاية) ، أى جعلت معنى: (مذ يومين) ابتداء الغاية لانقطاع الرؤية. و قوله:
(و لم ترد منتهى) ، يريد أنك أردت ابتداء الغاية وحدها، و لم تتعرض للمنتهى- و لكنا رأينا فيما سقناه آنفا لمعنى هذا المثال أنه يتضمن ابتداء الغاية و منتهاها.
و قوله: (و مذ غدوة إلى الساعة) ، «مذ» فيه بمعنى (من) ، فيجب أن يكون ما بعدها معرفة. فيتعين أن تكون «غدوة» هنا من يوم بعينه. و لإيضاح المقام نورد ما جاء فى اللسان، قال:
الغدوة، بالضم، البكرة، ما بين صلاة الغداة و طلوع الشمس. و غدوة من يوم بعينه غير مجراة [١] ، علم للوقت... و فى التهذيب: و غدوة -معرفة-لا تصرف. قال النحويون: إنها لا تنون، و لا يدخل فيها الألف و اللام... و يقال: أتيته غدوة، غير مصروفة، لأنها معرفة؛ مثل: سحر. إلا أنها من الظروف المتمكنة. تقول: سير على فرسك غدوة و غدوة و غدوة و غدوة، فما نوّن من هذه فهو نكرة، و ما لم ينوّن فهو معرفة.
و الجمع غدا [٢] . اهـ، و نحوه فى الصحاح.
و إذا رجعنا إلى عبارة اللسان هذه نجده يقول: (... لأنها «أى: غدوة» معرفة، مثل سحر، إلا أنها من الظروف المتمكنة) [٣] ...
فيلخص مما مر من الكلام على «غدوة و سحر» أنهما يجتمعان فى الامتناع من الصرف، إذا أريدا من يوم بعينه. فأما (سحر) فلأنه معدول عن الألف
ق-بمعنى: (فى) لأن (أل) فيه تفيد الحضور. و لكن سيبويه لما أتى (بإلى) بعد (مذ) صار المعنى عليه:
انقطع لقائى له من ابتداء هذا اليوم، و استمر هذا الانقطاع إلى وقت التكلم. فالمضى فى المثال واقع-أما إذا قلت: ما لقيته مذ اليوم، أو يومنا، أو هذا اليوم، مثلا، و لم تزد، فقد اعتبرت اليوم بأجمعه وقتا حاضرا. فتكون (مذ) بمعنى (فى) . هذا ما ظهر لى. اهـ، تعليق الباحث.
[١] يعنى أنها ممنوعة من الصرف، و هو تعبير قديم للنحويين. و لهذا الكلام صلة وثيقة بما قيل عنها فى ص ٢٤٤.
[٢] قال فى اللسان: و الغداة كالغدوة. و جمعها غدوات... و يقال: آتيك غداة غد. و الجمع الغدوات، مثل قطاة و قطوات. اهـ.
[٣] راجع ما يتصل بالكلام على: «سحر» فى ص ٢٤٦.