النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٢٠٨ - المسألة ٧٦
الحذف مناف لتلك الحكمة، معارض للغرض من الإتيان بالمصدر المؤكّد [١] .
لكن العرب التزموا حذف عامله باطراد فى بعض مواضع معينة، و أنابوا عنه المصدر المؤكّد؛ فعمل عمله فى رفع الفاعل، و نصب المفعول، و أغنى عن التلفظ بالعامل، و عن النطق بصيغته؛ و صار ذكر العامل ممنوعا معه؛ لأن المصدر بدل عنه، و عوض عن لفظه و معناه؛ و لا يجتمع العوض و المعوّض عنه [٢] .
و لما كان العرب قد التزموا الحذف باطراد فى تلك المواضع، لم يكن بدّ من أن نحاكيهم، و نلتزم طريقتهم الحتمية فى حذف العامل فى تلك المواضع، و فى إنابة المصدر المؤكّد عنه. و لهذا قال النحاة: إن عامل المصدر المؤكّد لا يحذف جوازا -فى الصحيح-؛ و إنما يحذف وجوبا فى المواضع التى التزم فيها العرب حذفه، و إقامة المصدر المؤكّد مقامه.
و مع أن العامل محذوف وجوبا فإنه هو الذى ينصب المصدر النائب عنه (أى: أن المصدر نائب عن عامله المحذوف، و منصوب به معا) .
أما المواضع التى ينوب فيها هذا المصدر عن عامله [٣] المحذوف وجوبا فبعضها خاص بالأساليب الإنشائية الطلبية، و بعض آخر خاص بالأساليب الإنشائية غير الطلبية، أو بالأساليب الخبرية المحضة [٤] .
[١] فيما سبق يقول ابن مالك:
و حذف عامل المؤكّد امتنع # و فى سواه لدليل متّسع-٦
يريد: أن هناك متسعا للحذف فى غير عامل المؤكد، عند وجود دليل على المحذوف.
[٢] سبقت الإشارة (فى رقم ١ هامش ص ١٩٨ و فى رقم ١ من هامش ص ٢١٣ إشارة أيضا) إلى أن الأفضل اعتبار المصدر النائب عن عامله قسما مستقلا بذاته يزاد على الأقسام الثلاثة المشهورة.
و السبب أن كثيرا من المصادر النائبة عن عاملها المحذوف قد يكون مؤكّدا لعامله، و الأصل فى المؤكّد ألا يعمل، و ألا يحذف عامله... و... مع أن المؤكّد هنا يعمل و يحذف عامله؛ فيقع التعارض و التناقض بين حكم المؤكّد هنا و حكمه فى ناحية أخرى. و لا سبيل للتغلب على هذا التعارض و التناقض إلا بالتأويل و التقدير؛ -و هذا معيب-، أو باعتبار المؤكد هنا، المحذوف عامله وجوبا، قسما مستقلا. و لا ضرر فى هذا؛ بل فيه تغلب على الصعوبة السالفة.
[٣] بعض المصادر المؤكّدة قد تنوب عن عوامل مهملة، أو ليست من لفظها؛ فتكون مقصورة على السماع، كما يجىء فى ص ٢١١ مثل: ويح، ويل... و سيجىء الكلام عنها فى الزيادة، ص ٢١٨.
[٤] سبق فى جـ ١ ص ٢٦٨ م ٧٢ إيضاح للجملة الخبرية، و الجملة الإنشائية. و ملخصه: أن الجملة الخبرية هى التى يكون معناها صالحا للحكم عليه بأنه صدق أو كذب، من غير نظر لقائلها من-