النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٩٨ - المسألة ٩٢
الأصيل. لكن إذا قلنا: اشكر المحسن على إحسانه، لم نفهم الاستعلاء الحقيقى، و لم يرد على خاطرنا أن الشكر قد حلّ و استقرّ فوق الإحسان؛ لاستحالة هذا، و إنما الذى يخطر ببالنا هو أن المراد: اشكر المحسن لإحسانه، فالحرف: «على» قد جاء فى مكان: «اللام» التى معناها: «السببية» ، أو «التعليل» . فأفاد ما تفيده اللام، و لكن إفادته على سبيل المجاز؛ ذلك أن لام التعليل تفيد التمكن و الاتصال القوى بين السبب و المسبب، أو بين العلة و المعلول؛ و الاستعلاء يشبهها فى أنه يفيد التمكن و الاتصال بين الشيئين؛ فلهذا التشابه صح استعمال الاستعلاء مجازا، مكان السببية و التعليل. و تبع ذلك استعمال الحرف الدال على الاستعلاء مكان الحرف الدال على السببية. و القرينة الدالة على أن الحرف: «على» مستعمل فى غير حقيقته وجود الفعل: «اشكر» إذ لا يستقر الشكر فوق الإحسان، و لا يوضع فوقه وضعا حقيقيّا.
و مثل ما سبق يقال فى بقية حروف الجر حين يؤدى الواحد منها معنيين أو أكثر.
أما أمثلة التضمين [١] فى العامل فمنها قول بعض الأدباء: «نأيت من صحبة فلان بعد أن سقانى بمر فعاله» . و الأصل: نأيت عن صحبة فلان، بعد أن سقانى من مر فعاله. و لكنه ضمن الفعل: «نأى» الذى لا يتعدى هنا بالحرف «من» معنى فعل آخر يتعدى بها؛ هو: بعد، أو «ضجر» ؛ فالمراد: بعدت أو ضجرت من صحبة فلان. كما ضمّن الفعل: «سقى» الذى لا يتعدى هنا «بالباء» معنى فعل آخر يتعدى بها؛ هو: «آذى» ، أو «تناول» . فالمراد: «آذانى» أو تناولنى بمرّ فعاله، و كذلك: شربت بماء عذب؛ فإن الفعل شرب قد ضمّن معنى الفعل: «روى» فالأصل: رويت. و هكذا بقية حروف الجر.
*** و المذهب الثانى [٢] : أن قصر حرف الجر على معنى حقيقى واحد، تعسف و تحكم لا مسوّغ له، فما الحرف إلا كلمة، كسائر الكلمات الاسمية و الفعلية، و هذه الكلمات الاسمية و الفعلية تؤدى الواحدة منها عدة معان حقيقية [٣] ، لا مجازية،
[١] بعض الأمثلة السابقة صالح «للتضمين فى الفعل مع بقاء حرف الجر على معناه الحقيقى» .
و كذا نظائرها.
[٢] و هو مذهب الكوفيين.
[٣] و المراد هنا ما يشمل الحقيقة اللغوية؛ و الحقيقة العرفية.