النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٤٩٩ - المسألة ٩٢
و لا يتوقف العقل فى فهم دلالتها الحقيقية فهما سريعا. فما الداعى لإخراج الحرف من أمر يدخل فيه غيره، و لإبعاده عما يجرى على نظائره؟
إنه نظيرها؛ فإذا اشتهر معناه فى العرف، و شاعت دلالته؛ بحيث يفهمها السامع بغير غموض، كان المعنى حقيقيّا لا مجازيّا، و كانت الدلالة أصيلة لا علاقة لها بالمجاز، و لا بالتضمين و لا بغيرهما، فالأساس الذى يعتمد عليه هذا المذهب فى الحكم على معنى الحرف بالحقيقة هو شهرة هذا المعنى و شيوعه، بحيث يتبادر و يتضح سريعا عند السامع؛ لأن هذه المبادرة علامة الحقيقة. و إن من يسمع قول القائل: (كنت فى الصحراء، و نفد ما معى من الماء، و كدت أهلك من الظمأ، حتى صادفت بئرا شربت من مائها العذب ما حفظ حياتى التى تعرضت للخطر من يومين... ) سيدرك سريعا معنى الحرف: «من» و قد تكرر فى الكلام بمعان مختلفة: أولها: بيان الجنس. و ثانيها: السببية، و ثالثها:
البعضية. و رابعها: الابتداء... و...
كذلك من يسمع قول القائل: «إنى بصير فى الغناء: يستهوينى، و يملك مشاعرى إذا كان لحنه شجيّا، و عبارته رصينة؛ كالأبيات التى مطلعها:
ربّ ورقاء هتوف فى الضّحا # ذات شجو صدحت فى فنن
....... » .
فإن معانى الحرف: «فى» ستبتدر إلى ذهنه. فالأول: للإلصاق. و الثانى:
للظرفية. و الثالث: للاستعلاء. و كل واحد من المعانى السالفة يقفز إلى الذهن سريعا بمجرد سماع حرف الجر خلال جملته. و هذا علامة الحقيقة-كما سبق-.
فإذا كان المعنى من الشيوع، و الوضوح و سرعة الورود على الخاطر- بالصورة التى ذكرناها، ففيم المجاز أو التضمين أو غيرهما؟إن المجاز أو التضمين أو نحوهما يقبلان، بل يتحتمان حين لا يبتدر المعنى إلى الذهن، و لا يسارع الذهن إلى التقاطه؛ بسبب عدم شيوعه شيوعا يجعله واضحا جليّا، و بسبب عدم اشتهاره شهرة تكفى لكشف دلالته فى يسر و جلاء. أما إذا شاع و اشتهر و تكشف للذهن سريعا فإن هذا يكون علامة الحقيقة-كما قلنا-فلا داعى للعدول عنها،