النحو الوافي (ط ناصر خسرو) - عباس حسن - الصفحة ٣٠٥ - زيادة و تفصيل
«قليل» بالرفع. و منها: تغير المنزل إلا باب [١] ... و... و...
و قد كلف النحاة أنفسهم عناء التأويل و التقدير؛ ليجعلوا الكلام تامّا غير موجب؛ فيصلوا من هذا إلى جواز البدل، و إلى أن الأمثلة مسايرة للقاعدة عندهم.
فقالوا فى الآية: إن نصها-على لسان طالوت-هو: (إِنَّ اَللََّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) ... (فشربوا منه إلا قليل منهم) فمعنى: «شربوا منه» : لم يكونوا منى و لا من أنصارى. فهى فى تأويل كلام منفى فى تقديرهم.
و قالوا: فى المثال الثانى و أشباهه: إنّ: «تغيّر» معناها لم يبق على حاله.
فالكلام يتضمن نفيا فى المعنى...
و لا شك أن كلامهم مردود، و تأويلهم بعيد، لسببين:
أولهما: أن كل كلام مثبت لا بد له من نقيض غير مثبت، و يستحيل الحكم على شىء بالإثبات دون أن يتصور العقل له ضدّا منفيّا. فمعنى «نام الرجل» لم يتيقظ. و معنى «تيقظ» ليس بنائم. و معنى «تحرك الطفل» : لم يسكن. و معنى «سكن» : لم يتحرك... و معنى «شرب» : لم يفقد الماء و يظمأ. و معنى «فقد الماء» : ما شرب... و... و...
و هكذا، فلو أخذنا برأيهم و فتحنا باب التأويل لم يبق فى الكلام العربى أسلوب مقصور على «التمام مع الإيجاب» دون أن يصلح للنوع الثانى (و هو: التام غير الموجب) و هذا غير مقبول.
و ثانيهما: و هو الأهم-أن الآية و المثال و غيرهما مما وقع فيه المستثنى غير منصوب فى الكلام التام الموجب-إنما ورد صحيحا مطابقا للغة بعض القبائل العربية، التى تجعل الكلام «التّامّ الموجب، و التام غير الموجب» متماثلين فى الحكم [٢] ؛ يجوز فيهما: إما النصب على الاستثناء، و إما البدل من المستثنى منه، و إما الرفع على الابتداء [٣] ... و... فلا معنى للتأويل بقصد إخضاع لغة قبيلة للغة
[١] نص المثال الوارد فى «التصريح» -و فى حاشية ياسين أمثلة متنوعة أخرى-؛ :
و بالصّريمة منهم منزل خلق # عاف تغيّر إلا النّؤى و الوتد
[٢] و قد ورد النص على هذا فى كثير من المراجع النحوية، و منها: حاشية ياسين على «التصريح، شرح التوضيح» ، ففيها البيان و الأمثلة من القرآن و الحديث و غيرهما مما سرده فى أول «الاستثناء» . -و كذا الصبان-
[٣] من يرفع الاسم بعد: «إلا» فى الكلام التام الموجب فعل اعتبار ذلك الاسم مبتدأ، خبره-