سعد السعود للنفوس - السيد بن طاووس - الصفحة ٥٩٥
الامر كما ذكرت لا يذوقون فيها الموت سوى الموتة الاولى، فما معنى قولك سوى الموتة الاولى؟ وقد قال جلّ جلاله قبلها: (لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا) والموتة الاولى ما كانت فيها، فأيّ معنى لقول الفرّاء: إنّهم لا يذوقون في الجنة موتة سوى الموتة في الدنيا.
فأقول أنا:
لعلّ المراد: أنّ هذا الوصف لمّا كان عن المتّقين، وكانوا أيام الحياة الدنيا مشغولين بعمارة الاخرة، فلمّا حضرهم الموت في الدنيا كان ذلك في وقت اشتغالهم بعمارة آخرتهم، فكان ذلك الموت كأنّه في الدار الاخرة، لانّ الانسان إذا جاءه موت وهو مشغول بعمارة دار وقائم في بنائها وبنى أبوابها معنى وصورة، جاز أن يقال مات فيها.
أو لعلّ حال المتّقين لمّا كانوا مكاشفين بالاخرة، فكأنّهم كانوا في الدنيا وأرواحهم ساكنة في الجنان وحاضرة في ذلك المكان، فلما جاءهم موت الدنيا كان كأنّه أتاهم وهم في دار الاخرة.
وقد قال مولانا علي (عليه السلام) في وصف المتّقين: «إنّ أرواحهم معلّقة بالمحلّ الاعلى»[١].
وقال الشاعر:
| جسمي معي غير أنّ الروح عندكم | فالروح في غربة والجسم فيوطني |