الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - فشل مخطّطات المشركين
الأوّل، أي أنّ البنيان هو ذلك البناء المكوّن من أربعة جدران كبيرة.
و آيات القرآن الكريم هنا لم تشر إلى دقائق و تفاصيل هذا الحادث الذي ورد في سورة الأنبياء، و إنّما أنهت هذه الحادثة بخلاصة مركّزة و لطيفة فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ.
(كيد) في الأصل تعني الاحتيال، أ كان بطريقة صحيحة أم غلط، مع أنّها غالبا ما تستعمل في موارد مذمومة، و بما أنّها جاءت بحالة النكرة هنا، فإنّها تدلّ على عظمة الشيء و أهميّته، و هي إشارة إلى المخطّط الواسع الذي وضعه طغاة بابل للقضاء على دعوة إبراهيم للناس بقوله و عمله و محو آثارها.
نعم، لقد وضعهم اللّه سبحانه و تعالى في أسفل السافلين، فيما رفع إبراهيم عليه السّلام إلى أعلى علّيين، كما كان أعلى منطقا، و جعله هو الأعلى في حادثة إشعال النيران، و أعداءه الأقوياء هم الأخسرين، فكانت النار عليه بردا و سلاما دون أن تحرق حتّى شعرة واحدة من جسد إبراهيم عليه السّلام و خرج سالما من ذلك البحر الجهنّمي.
فإرادته تقتضي أن ينجي في يوم من الأيّام نوحا من «الغرق»، و في يوم آخر ينقذ إبراهيم من «الحرق»، و ذلك لكي يوضّح أنّ الماء و النار عبدان مطيعان له سبحانه و تعالى و مستجيبان لأوامره.
إبراهيم عليه السّلام الذي نجا بإرادة اللّه من هذه الحادثة الرهيبة و المؤامرة الخطيرة التي رسمها أعداؤه له، و خرج مرفوع الرأس منها، صمّم على الهجرة إلى أرض بلاد الشام، إذ أنّ رسالته في بابل قد انتهت، وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ.
من البديهيات أنّ اللّه لا يحويه مكان، و الهجرة التي تتمّ في سبيله من المجتمع الملوّث الفاسد إلى المجتمع الطاهر الصافي، فإنّها هجرة إلى اللّه.
فالهجرة إلى أرض الأنبياء و الأولياء و مهبط الوحي الإلهي، هي هجرة إلى اللّه، مثلما يعرف السفر إلى مكّة المكرّمة بأنّه سفر إلى اللّه، خاصّة و أنّ هجرة إبراهيم عليه السّلام