الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥ - فشل مخطّطات المشركين
فالمعبود يجب أن يكون خالق الإنسان، و ليس صنيعة يده، من الآن فكّروا و اعرفوا معبودكم الحقيقي وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ.
فهو خالق الأرض و السماء، و مالك الوقت و الزمان، و يجب السجود لهذا الخالق و حمده و عبادته.
إنّ هذه الحجّة كانت من الوضوح و القوّة إلى حدّ جعلتهم يقفون أمامها مبهوتين و غير قادرين على ردّها و دحضها.
و (ما) في عبارة ما تَعْمَلُونَ هي (ما) الموصولة و ليست (ما) المصدرية، و منها يراد القول، إنّ اللّه خلقكم و كذلك ما تصنعون، و عند ما يقال: إنّ الأصنام هي من صنع أو أعمل الإنسان، فذلك يعني أنّ الإنسان أعطاها الشكل فقط، و إلّا فالمادّة التي تصنع منها الأصنام هي من خلق اللّه أيضا.
صحيح ما يقال من أنّ هذه السجّادة و ذلك البيت و تلك السيارة هي من صنع الإنسان، و لكن المراد ليس أنّ الإنسان هو الذي خلق المواد الأوّلية لتلك الأشياء، و إنّما الإنسان صاغ تلك المواد الأوّلية بشكل معيّن.
أمّا إذا اعتبرنا (ما) مصدرية، فالعبارة تعني ما يلي: إنّ اللّه خلقكم و أعمالكم.
و بالطبع فإنّ المعنى هذا ليس خطأ، و على خلاف ما يظنّه البعض ليس فيه ما يدلّ على الجبر، لأنّ الأعمال التي نقوم بها رغم أنّها تتمّ بإرادتنا، إلّا أنّ إرادة و قدرة التصميم و غيرها من القوى التي تنفذ من خلالها أفعالنا كلّها من اللّه سبحانه و تعالى، و بهذا الشكل فإنّ الآية لا تقصد هذا الأمر، و إنّما تقصد الأصنام، و تقول:
إنّ اللّه خلقكم أنتم و الأصنام التي صنعتموها و صقلتموها. و جمال هذا الحديث يتجسّد هنا، لأنّ البحث يخصّ الأصنام و لا يخصّ أعمال البشر.
في الحقيقة إنّ موضوع هذه الآية يشبه الموضوع الذي ورد في قصّة موسى و السحرة و التي تقول: فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [١]، فالمقصود هنا الأفعى التي هي
[١]- الأعراف، ١١٧.