الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٦ - فشل مخطّطات المشركين
من صنع السحرة.
و من المعروف أنّ الطغاة و الجبابرة لا يفهمون لغة المنطق و الدليل، و لهذا لم تؤثّر عليهم الأدلّة و البراهين الظاهرية و القويّة التي بيّنها إبراهيم عليه السّلام على قلوب الجبابرة الحاكمين في بابل حينذاك، رغم أنّ مجموعات من أبناء الشعب المستضعف هناك استيقظت من غفلتها و آمنت بدعوة إبراهيم عليه السّلام.
و لإيقاف انتشار منطق التوحيد بين أبناء مدينة بابل، عمد الطغاة الذين أحسّوا بخطر انتشار على مصالحهم الخاصّة إلى استخدام منطق القوّة و النار ضدّ إبراهيم عليه السّلام، المنطق الذي لا يفهمون سواه. حيث هتفوا بالاعتماد على قدراتهم الدنيوية: أن ابنوا له بنيانا عاليا، و اشعلوا في وسطه النيران ثمّ ارموه فيه قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ.
و من هذه العبارة يستفاد أنّ الأوامر كانت قد صدرت ببناء أربعة جدران كبيرة، و من ثمّ إشعال النيران في داخلها، و بناء الجدران الأربعة الكبيرة، إنّما تمّ- كما يحتمل- للحئول دون امتداد النيران إلى خارجها، و منع وقوع أخطار محتملة قد تنجم عنها، و لإيجاد جهنّم واقعية كتلك التي كان إبراهيم يتهدّد و يتوعّد عبدة الأوثان بها.
صحيح أنّ كميّة قليلة من الحطب كانت تكفي لحرق إنسان كإبراهيم، لكنّهم فعلوا ذلك ليطفؤا غيظ قلوبهم من جرّاء تحطيم أصنامهم، و بمعنى آخر الانتقام من إبراهيم بأشدّ ما يمكن، لعلّهم بذلك يعيدون العظمة و الابّهة لأصنامهم إضافة إلى أنّ عملهم هذا كان تخويفا و تحذيرا لمعارضيهم، كي لا تتكرّر مثل هذه الحادثة مرّة اخرى في تأريخ بابل، لذلك فقد أوقدوا نارا عظيمة.
«الجحيم» في اللغة هي النار التي تجتمع بعضها على بعض.
هذا، و قد فسّر البعض «البنيان» بأنّه المنجنيق، و المنجنيق- كما هو معروف- أداة لقذف الأشياء الثقيلة إلى مكان بعيد، لكن أكثر المفسّرين انتخبوا التّفسير