الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٩ - خطّة إبراهيم الذكيّة في تحطيم الأصنام
عبدتكم، إنّه غذاء دسم و لذيذ و متنوّع، ما لكم لا تأكلون؟ فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ [١].
ثمّ أضاف، لم لا تتكلّمون؟ لم تعجز ألسنتكم عن النطق؟ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ.
و بهذا استهزء إبراهيم عليه السّلام بكلّ معتقداتهم الخرافية، و من دون أي شكّ فإنّه كان يعرف أنّها لا تأكل و لا تتحدّث، و أنّها جماد. و أراد من وراء ذلك عرض حادثة تحطيم الأصنام بصورة جميلة و لطيفة.
بعد ذلك شمر عن ساعديه، فأمسك الفأس و انقضّ على تلك الأصنام بالضرب بكلّ ما لديه من قوّة فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ.
و المراد من (اليمين) إمّا يد الإنسان اليمنى، و التي ينجز الإنسان بها معظم أعماله، أو أنّها كناية عن القدرة و القوّة، و يمكن أن تجمع بين المعنيين.
على أيّة حال، فإنّ انقضاض إبراهيم عليه السّلام على الأصنام، حوّل معبد الأصنام المنظّم إلى خربة موحشة، حيث لم يبق صنم على حالته الاولى، فالأيدي و الأرجل المحطّمة تفرّقت هنا و هناك داخل المعبد، و كم كان منظر المعبد بالنسبة لعبدة الأصنام مؤثّرا و مؤسفا و مؤلما في نفس الوقت.
و بعد انتهائه من تحطيم الأصنام، غادر إبراهيم- بكلّ هدوء و اطمئنان- معبد الأصنام عائدا إلى بيته ليعدّ نفسه للحوادث المقبلة، لأنّه كان يعلم أنّ عمله كان بمثابة انفجار هائل سيهزّ المدينة برمّتها و مملكة بابل بأجمعها، و سيحدث موجة من الغضب العارم، الموجة التي سيكون إبراهيم عليه السّلام وحيدا في وسطها. إلّا أنّ له ربّا يحميه، و هذا يكفيه.
و في آخر اليوم عاد عبدة الأصنام إلى مدينتهم، و اتّجهوا فورا إلى معبدهم، فشاهدوا مشهدا رهيبا و غامضا، و من شدّة رهبة المشهد تجمّد البعض في مكانه، فيما فقد البعض الآخر عقله و هو ينظر بدهشة و تحيّر لجذاذ آلهته المنتشرة هنا
[١]- (راغ) من مادّة (روغ) و تعني التوجّه و التمايل بشكل سرّي و مخفي أو بشكل مؤامرة و تخريب.