الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٠ - و اضرب لهم مثلا أصحاب القرية
بعد ذلك العرض الإجمالي العام، تنتقل الآيات إلى تفصيل الأحداث التي جرت فتقول: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [١].
أمّا من هم هؤلاء الرسل؟ هناك أخذ و ردّ بين المفسّرين، بعضهم قال: إنّ أسماء الإثنين «شمعون» و «يوحنا» و الثالث «بولس»، و بعضهم ذكر أسماء اخرى لهم.
و كذلك هناك أخذ ورد في أنّهم رسل اللّه تعالى، أم أنّهم رسل المسيح عليه السّلام (و لا منافاة مع قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا إذ أنّ رسل المسيح رسله تعالى أيضا)، مع أنّ ظاهر الآيات أعلاه ينسجم معه التّفسير الأوّل، و إن كان لا فرق بالنسبة إلى النتيجة التي يريد أن يخلص إليها القرآن الكريم.
الآن لننظر ماذا كان ردّ فعل هؤلاء القوم الضالّين قبال دعوة الرسل، القرآن الكريم يقول: إنّهم تعلّلوا بنفس الأعذار الواهية التي يتذرّع بها الكثير من الكفّار دائما في مواجهة الأنبياء قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ.
فإذا كان مقرّرا أن يأتي رسول من قبل اللّه سبحانه، فيجب أن يكون ملكا مقرّبا و ليس إنسانا مثلنا. هذه هي الذريعة التي تذرّعوا بها لتكذيب الرسل و إنكار نزول التشريعات الإلهية، و المحتمل أنّهم يعلمون بأنّ جميع الأنبياء على مدى التاريخ كانوا من نسل آدم، من جملتهم إبراهيم الخليل عليه السّلام، الذي عرف برسالته، و من المسلّم أنّه كان إنسانا، و ناهيك عن أنّه هل يمكن لغير الإنسان أن يدرك حاجات الإنسان و مشكلاته و آلامه؟
و ثمّ لماذا أكّدت الآية أيضا على صفة «الرحمانية» للّه؟ لعلّ ذلك لأنّ اللّه سبحانه و تعالى ضمن نقله هذه الصفة في كلامهم يشعر بأنّ الجواب كامن في كلامهم، إذ أنّ
[١]- بعض المفسّرين قالوا بأنّ كلمة «إذ» هنا بدل عن «أصحاب القرية»، و ذهب آخرون بأنّها متعلّق لفعل محذوف تقديره «اذكر».