الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٧ - السماوات و الأرض بيد القدرة الإلهية
مجموعة السماوات و الأرض، و في الحقيقة فإنّها تنتقل إلى إثبات توحيد الخالقية و الربوبية بعد نفي شركة أي من المعبودات الوهمية في عالم الوجود فتقول: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [١].
فليس بدء الخلق- فقط- مرتبطا باللّه، فإنّ حفظ و تدبير الخلق مرتبط بقدرته أيضا، بل إنّ الخلق له في كلّ لحظة خلق جديد، و فيض الوجود يغمر الخلق لحظة بعد اخرى من مبدأ الفيض. و لو قطعت الرابطة بين الخلق و بين ذلك المبدأ العظيم الفيّاض، فليس إلّا العدم و الفناء.
صحيح أنّ الآية تؤكّد على مسألة حفظ نظام الوجود الموزون، و لكن- كما ثبت من الأبحاث الفلسفيّة- فإنّ الممكنات محتاجة في بقائها إلى موجدها كاحتياجها إليه في بدء إيجادها، و بذلك فإنّ حفظ النظام ليس سوى إدامة الخلق الجديد و الفيض الإلهي.
الملفت للنظر أنّ الأجرام و الكرات السماوية، مع كونها غير مقيّدة بشيء آخر، إلّا أنّها لم تبرح أماكنها أو مداراتها التي حدّدت لها منذ ملايين السنين، دون أن تنحرف عن ذلك قيد أنملة، كما نلاحظ ذلك في المجموعة الشمسية، فالأرض التي نعيش عليها تواصل دورانها حول الشمس منذ ملايين بل مليارات السنين في مسيرها المحدّد و المحسوب بدقّة و الذي يتحقّق من التوازن بين القوى الدافعة و الجاذبة، كما أنّها تدور في نفس الوقت حول نفسها، ذلك بأمر اللّه.
و للتأكيد تضيف الآية قائلة: وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.
فلا الأصنام التي صنعتموها و لا الملائكة، و لا غير ذلك، لا أحد غير اللّه قادر على ذلك.
و في ختام الآية- لكي يبقى طريق الأوبة و الإنابة أمام المشركين الضالّين مفتوحا يقول تعالى محبّذا لهم التوبة في كلّ مرحلة من الطريق
[١]- جملة «أن تزولا» تقديرها «لئلا تزولا» أو «كراهة أن تزولا».