شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٩٢
يعتريها نقص وتنقص، واللّه أفاد في آيات أُخر كثيرة أنّه تعالى هو المفيض للحياة الحقيقية الأُخروية ، وبيده تعالى أزمّة الأُمور ، فأفاد ذلك أنّ الحياة الأُخروية مملوكة لا مالكة ، ومسخّرة لا مطلقة ، أعني أنّها ملكت خاصّتها المذكورة باللّه لا بنفسها. فالحياة الحقيقية يجب أن يكون بحيث يستحيل طروّ الموت عليها لذاتها ، ولا يتصوّر ذلك إلّا بكون الحياة عين ذات الحيّ غير عارضة لها ولا طارئة عليها بتمليك الغير وإفاضته ، قال تعالى : «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ » . [١] وعلى هذا فالحياة الحقيقية الحياة الواجبة ، وهي كون وجوده بحيث يعلم ويقدّر بالذات» . [٢] «يا قيّوم» قيّوم مبالغة ، أي الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ، فيعول من قام بالأمر ، قال الأُستاذ : «وأمّا اسم القيّوم فهو على ما قيل : فيعول كالقيام ، فيعال من القيام ؛ وصف يدلّ على المبالغة ، والقيام هو حفظ الشيء وفعله وتدبيره وتربيته والمراقبة عليه والقدرة عليه ، كلّ ذلك مأخوذ من القيام بمعنى الانتصاب ؛ للملازمة العادية بين الانتصاب وبين كلّ منها. وقد أثبت اللّه تعالى أصل القيام بأُمور خلقه لنفسه في كلامه ، حيث قال تعالى : «أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ » ، [٣] وقال تعالى ـ وهو أشمل من الآية السابقة ـ : «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » ، [٤] فأفاد أنّه قائم على الموجودات بالعدل ، فلا يعطي ولا يمنع شيئا في الوجود ـ وليس الوجود إلّا الإعطاء والمنع ـ إلاّ بالعدل ، بإعطاء كلّ شيء ما تستحقّه ، ثمّ بيّن أنّ هذا القيام بالعدل مقتضٍ اسميه الكريمين : (العزيز الحكيم) ، فبعزّته يقوم على كلّ شيء ، وبحكمته يعدل فيه. وبالجملة ، لمّا كان تعالى هو المبدأ الذي يبتدئ منه وجود كلّ شيء وأوصافه وآثاره لا مبدأ سواه إلّا وهو ينتهي إليه ، فهو القائم على كلّ شيء من كلّ جهة بحقيقة القيام الذي لا يشوبه فتور وخلل ، وليس ذلك لغيره قطّ إلّا بإذنه بوجه ، فليس له تعالى إلّا القيام من غير ضعف وفتور ، وليس لغيره إلّا أن يقوم به ، فهناك حصران : حصر القيام عليه ، وحصره على
[١] الفرقان : ٥٨ . [٢] اُنظر : الميزان في تفسير القرآن : ج ٢ ص ٣٣٠ ـ ٣٣١ . [٣] الرعد : ٣٣ . [٤] آل عمران : ١٨ .