شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٧٤
ـ لامحاله ـ بحسب انقسام المدركات والحواسّ ، فلكلّ حاسّة إدراك ، ولكلّ مدرك لذّة وإلى كلّ منها ميل للطبع... . إنّ الإنسان يحبّ نفسه ويحبّ غيره لأجله ، فهل يتصوّر أن يحبّ الإنسان غيره لذاته لا لأجل نفسه؟ هذا ممّا قد يشكل على الضعفاء حتّى يظنّون أنّه لايتصوّر أن يحبّ الإنسان شيئا لذاته لا لأجل نفسه ، والحقّ أنّ ذلك متصوّر وموجود ، فلنبيّن أقسام المحبّة وأسبابها . أسباب المحبّة كثيرة : الأوّل : إنّ المحبوب الأوّل عند كلّ حيّ نفسه وذاته ، ومعنى ذلك أنّ طبعه ميال إلى دوام وجوده وتنفّره عن عدمه وهلاكه. الثاني : الإنسان عبد الإحسان ، وقد جبلت القلوب على من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها. الثالث : أن يحبّ الشيء لذاته ، لاحظّ يناله منه وراء ذاته ، بل يكون ذاته عين حظّه ، وهذا هو الحبّ الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه ، وذلك كحبّ الجمال والحسن ، فإنّ كلّ جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال ، وذلك لعين الجمال ؛ لأنّ إدراك الجمال فيه عين اللذّة ، واللذّة محبوبة ، ولاتظنّن أنّ حبّ الصور الجميلة لايتصوّر إلّا لأجل قضاء الشهوة ، فإنّ قضاء الشهوة لذّة أُخرى . الرابع : اعلم إنّ المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربّما يظنّ أن لا معنى للحسن والجمال إلّا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون و... وهذا خطأ ظاهر ، فإنّ الحسن ليس مقصورا على المدركات كالخطّ الحسن وصوت حسن وثوب حسن وإناء حسن... وخلق حسن وعلم حسن وسيرة حسنة وأخلاق جميلة... الناس يحبّون الأنبياء ورؤساء المذاهب إلى حدّ العشق حتّى ينفق في سبيله ماله ونفسه ، وإنّما يحبّه لصفاته الباطنة ، من الدين والتقوى وغزارة العلم... وهذه أُمور جميلة لايُدرك جمالها إلّا بنور البصيرة ، وتلك الصفات ترجع جملتها إلى العلم والقدرة ، إذا علم حقائق الأُمور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته.