شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٢١
وهو قلبها بالحفر ، فالغمّ يثير النفس إثارة ذلك ، وكرب الموت هو سكراته ، ومنه : «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ » ، [١] أي حالة تعرض الإنسان (تحول بين المرء وعقله) من شدّة المصيبة ، ومنها ما تقدّم من سؤال الملائكة الفجّار «فيم كنتم» ، ومنها ضربهم وجوههم وأدبارهم ، ومنها ما يشاهدون كما قال تعالى : «وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ » ، [٢] ومنها ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام : «وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيرّت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأُذنه ، على صحّةٍ من عقله ، وبقاءٍ من لبّه ، ويفكّر فيم أفنى عمره ، و فيم أذهب دهره ، و يتذكّر أموالاً جمعها أغمض في مطالبها ، و أخذها من مصرّحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها ، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتّعون بها ، فيكون المهنأ لغيره ، والعب ء على ظهره ، والمرء قد غَلقت رهونه بها ، يعضّ يده ندامةً على ما أصحرله عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، ويتمنّى أنّ الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه ، فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتّى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه ، ويردّد طرفه بالنظر إلى وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ...» . [٣] ومن المعلوم أنّه كلّما كان حبّ الدنيا وعلائقها شديدا ، كان الألم شديدا والفراق صعبا ، اللّهمّ إنّا نعوذ بك من سكرات الموت ، اللّهمّ حبّب إليّ لقاءك ، أحبّ لقائي ، واجعل لي في لقائك الراحة والفرج والكرامة ، وتوفّني مسلما ، وألحقني بالصالحين محمّد وآله الطاهرين ، والعن أعداءهم أجمعين ، آمين آمين ربّ العالمين. اللّهمّ صلّ على محمّد وآله ، هوّن بالقرآن عند الموت على أنفسنا كرب السياق ، وجهد الأنين ، وترادف الحشارج إذا بلغت النفوس التراقي ، وقيل من راق ، وتجلّى ملك الموت لقبضها من حجب الغيوب ، ورماها عن قوس المنايا بأسهم وحشة الفراق ، وداف لها من ذعاف الموت كأسا مسمومة
[١] ق : ١٩. [٢] الواقعة : ٩٢ ـ ٩٤ . [٣] نهج البلاغة : الخطبة ١٠٩.