شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٩٢
فإنّ التعقّل والتفكّر والحبّ والبغض والخوف وأمثال ذلك ، وإن أمكن أن ينسبه أحد إلى القلب باعتقاد أنّه العضو المدرك في البدن على ما ربّما يعتقده العامّة ، كما يُنسب السمع إلى الأُذن والإبصار إلى العين والذوق إلى اللّسان ، لكنّ الكسب والاكتساب ممّا لا يُنسب إلّا إلى الإنسان ألبتة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : «فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ » ، [١] وقوله تعالى : «وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ » . [٢] والظاهر أنّ الإنسان لمّا شاهد نفسه وسائر أصناف الحيوان وتأمّل فيها ، ورأى أنّ الشعور والإدراك قد تبطل ، والحياة باقية بحركة القلب دون العكس ، قطع بأنّ مبدأ الحياة هو القلب ، أي أنّ الروح التي يعتقدها في الحيوان أوّل تعلّقها بالقلب ، وأنّ الآثار والخواصّ الروحية مثل الشعور والإدراك والإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف وأمثال ذلك للقلب بعناية أنّه أوّل متعلّق الروح ، وهذا لا ينافي كون كلّ عضو من الأعضاء مبدأ لفعله الذي يختصّ به ، كالدماغ للفكر والعين للإبصار. وربّما يؤيّده التجارب العلمية أنّ الطيور لا تموت بفقد الدماغ ، ويؤيّده أيضا أنّ الأبحاث الطبيعية لم توفّق حتّى اليوم لتشخيص المصدر الذي يصدر عنه الإحكام البدنية... فهذا ـ على ما يظهر ـ هو السبب في إسنادهم الإدراك والشعور وما لا يخلو عن شوب إدراك مثل الحبّ والبغض والرجاء والخوف والقصد والحسد والعفّة والشجاعة والجرأة ونحو ذلك إلى القلب ، ومرادهم به الروح المتعلّقة بالبدن أو السارية فيه بواسطته ، فينسبونها إلى الروح... . وفي القرآن شيء كثير من هذا الباب ، قال تعالى : «يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِْسْلامِ » ، [٣] وقال تعالى : «أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ » ، [٤] وقال تعالى : «وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ » ، [٥] وهو كناية عن ضيق الصدر ، وقال تعالى : «إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » ، [٦] وليس من البعيد أن تكون هذه الإطلاقات في كتابه تعالى إشارة إلى تحقيق هذا النظر وإن لم يتّضح كلّ الاتّضاح بعد ،
[١] البقرة : ٢٨٣ . [٢] ق : ٣٣ . [٣] الأنعام : ١٢٥. [٤] الحجر : ٩٧ . [٥] الأحزاب : ١٠ . [٦] المائدة : ٧ .