شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٧٦
غافر له سواه . وثالثا : إنّه مخلوقه تعالى ، وإنّ وجوده منه ، ولا حول ولا قوّة له إلّا به ، ولا يرجع ولا يلتجئ المخلوق إلّا إلى خالقه ، وهذه الجملة استفهام تقريري ، أي أنّ رجوع المخلوق إلّا إلى خالقه أمر واضح لا سترة عليه ولا ريب فيه. «إلهي لو قرنتني بالأصفاد» قرنه : أي شدّه ، من قرن الشيء بالشيء شدّه ، والصفد : الوثاق ، قال سبحانه : «وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَْصْفادِ » ، [١] وقال عزّ وجلّ : «وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَْصْفادِ » . [٢] يعني ياإلهي لو قرنتني بالوثاق كالمجرمين أو معهم . «ومنعتني سيبك من بين الأشهاد» السيب : العطاء والأشهاد جمع شاهد ، يقول سبحانه : «وَيَقُولُ الأَْشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ » ، [٣] أي منعتني عطاءك من بين الأشهاد أي الحاضرين ، لعلّ المراد هو أن يعطي كلّ الحاضرين ويمنعه . «دللت على فضائحي عيون العباد» أي رفعت الستر الذي سترت بها سيّئاتي وذنوبي في الدنيا، ودللت العيون على مشاهدة عيوبي، وهذا بعد رفع الستر ، أي وجّهت عيون الناس لمشاهدة عيوبي حتّى لم يبق أحد غافلاً ولا ذاهلاً عن النظر، و عرّفت كلّهم بما ارتكبت وجنيت. «وأمرت بي إلى النار» بعد أن قرنتني بالأصفاد ، ومنعتني سيبك ، ثمّ فضحتني بين العباد البرّ والفاجر والقريب والبعيد الّذين كنت أكتم عنهم عيوبي ، ثمّ أمرتني إلى النار. «وحلت بيني وبين الأبرار» الأبرار : جمع البرّ ، من برّ والده ، أي أحسن الطاعة ورفق به وتحرّى محابّه ، وتوقّى مكارهه ، ولعلّ الترتيب الذكري تدلّ على الترتيب في الشدّة والصعوبة ، وآخرها مفارقة الأبرار ، كما في دعاء كميل : «فلئن صيّرتني للعقوبات مع أعدائك ، وجمعت بيني وبين أهل بلائك ، وفرّقت بيني وبين أحبّائك وأوليائك ، فهبني يا إلهي وسيّدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك...» ، هذا بيان لأنواع العقوبات المرتّبة على المعاصي يوم القيامة وجعلها خمسة أنواع. «ما قطعت رجائي منك وما صرفت تأميلي للعفو عنك» بيان لأُمور يلزم العبد المنعم عليه حينئذٍ بعد معرفته للّه تعالى :
[١] إبراهيم : ٤٩ . [٢] ص : ٣٨ . [٣] هود : ١٨ .