شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٧
وقد قدّمنا في فصلٍ من هذا الكتاب أنّ المنادي ينادي عن اللّه جلّ جلاله في شهر رمضان من أوّل اللّيل إلى آخره، وإيّاك ثمّ إيّاك أن تعرض عن منادِ اللّه جلّ جلاله، وهو يسألك أن تطلب منه ما تقدر عليه من ذخائره ، وأنت محتاج إلى دون ما دعاك إليه، فاغتنم فتح الأبواب ونداء المنادي عن مالك الأسباب، وإن لم تسمع أُذناك فقد سمع العقل والقلب إن كنت مسلما مصدّقا بمولاك ومالك دنياك، وأُخراك، فمن الدعاء في سحر كلّ ليلة من شهر رمضان ما رويناه بإسنادنا إلى أبي محمّد هارون بن موسى التلّعُكبري رضي اللّه تعالى عنه، بإسناده إلى الحسن بن محبوب الزرّاد عن أبي حمزة الثمالي، أنّه قال: كان عليّ بن الحسين سيّد العابدين صلوات اللّه عليه، يصلّي عامّة ليله في شهر رمضان، فإذا كان في السحر دعا بهذا الدعاء. أحد تعاليم الأديان هو طرحها لمفهومٍ اسمه «الذنب»، فهذا المفهوم لا وجود له في المدارس والمذاهب غير الدينية. والذنب معنىً متعدّد، والجحود. ومن جهةٍ يعني إيذاء الذات والإضرار بالنفس وجه الروح ، ويعني من جهةٍ أُخرى استحقاق العذاب. ومجموع هذه المعاني يخلق مفهوما يُسمّى في الشرائع «ذنبا». ويختلف نوع الذنب تبعا لاختلاف الفرد ومرتبته وسيره في مدارج المعنى والسلوك. فحينما يعصي أحد أمر اللّه ، ويجفو محبوبه ، ولا يعمل وفقا لمقتضيات المحبّة والمودّة الإلهيّة ، أو لا يشكر المنعم بما هو أهل له من الشكر ، أو يُسيء إلى نفسه ويؤدّي إلى تعكير صفو باطنه وظلمة نفسه ، ففي كلّ هذه الحالات يُعتبر الشخص مذنبا وآثِما. ومن أهمّ خواصّ الدعاء أنّه يذيق الإنسان في كلّ هذه الموارد طعم المغفرة ؛ أي أنّه يخلق لديه نوعا من الشعور الباطني بالنجاة من الظلمة ، ويحسّ على أثر ذلك بزوال ذلك الظلام الباطني وتبدّد الكدورة التي أكمّت بالقلب ، وأنّ علاقته باللّه التي انتابها شيء من الخلل واعتراها الاضطراب قد استعادت قوّتها ورجعت على ما كانت عليه. وهذا الأمر كما ذكرنا سابقا لا يختصّ بشريعة معيّنة. ومن ذلك على سبيل المثال أنّ المفكّرين المسيحيّين قالوا أيضا بأنّ الشخص يشعر أحيانا أثناء الدعاء وكأنّه يُقال له إنّك قد غُفِر لك. وسماع هذا النداء وبلوغ هذا الإيحاء إلى أعماق الباطن يُعدُّ من ألذّ الأحوال التي ينالها الداعي التقيّ والعابد الورع.