شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٠٧
وهي نوع من شعور في الإنسان يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آلة حسّية أو فكريّة ، وأنّ للإنسان شعورا بربّه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل ، بل يجده وجدانا من غير أن يحجبه عنه حاجب ، ولا يجرّه إلى الغفلة عنه إلّا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها ، وهي مع ذلك غفلة عن أمرٍ موجود مشهود لا زوال علم بالكلّية ومن أصله ، فليس فكلامه تعالى ما يشعر بذلك ألبتّة ، بل عبّر عن هذا الجهل بالغفلة ، وهي زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم ، فهذا ما يبيّنه كلامه سبحانه ويؤيّده العقل بساطع براهينه ، وكذا ما ورد من الأخبار عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام . والذي ينجلي من كلامه تعالى أنّ هذا العلم المُسمّى بالرؤية واللقاء يتمّ للصالحين من عباد اللّه يوم القيامة ، كما يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى : «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » ، [١] فهناك موطن التشرّف بهذا التشريف ، وأمّا في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية ، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربّه ، كادح إلى ربّه كدحا ليلاقيه ، فهو بعد في طريق هذا العلم لن يتمّ له حتّى يلاقي ربّه ، قال تعالى : «يا أَيُّهَا الإِْنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » .» [٢] هذا ، وقال بعض : «إنّ لقاء اللّه هو لقاء ما وعده للمؤمن من الكرامات من الجنّة ونعيمها ، ولقاء ما أوعده اللّه الكفّار والفسّاق من ضغطة القبر وعذابه أو البعث والحشر والحساب والجحيم . وحكي عن الشهيد رحمه اللهفي الذكرى : من أنّ حبّ لقاء اللّه غير مقيّد بوقت ، فيحمل على حال الاحتضار ومعاينة ما يحبّ ، وأشار إلى حديث عبد الصمد بن بشير عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : قلت له : أصلحك اللّه من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ومن أبغض لقاء اللّه أبغض اللّه لقاءه؟ قال : نعم ، قلت : فواللّه أنا لنكره الموت ، فقال : ليس ذلك حيث تذهب ، إنّما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحبّ فليس شيء أحبّ إليه من أن يتقدّم ، واللّه يحبّ لقاءه وهو يحبّ لقاء اللّه الحديث» . [٣]
[١] القيامة : ٢٢ ـ ٢٣ . [٢] الانشقاق : ٦ ، اُنظر : الميزان في تفسير القرآن : ج ٨ ص ٢٤١ . [٣] اُنظر : بحار الأنوار : ج ٦ ص ١٢٩ ، وج ٧٨ ص ٢٦٧.