شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥٩
وإنَّ الرّاحِلَ إلَيكَ قَريبُ المَسافَةِ «٣٧ »وأنَّكَ لا تَحتَجِبُ عَن خَلقِكَ إلّا أن تَحجِبَهُمُ الأَعمالُ[١] دونَكَ «٣٨ »
الرّحل : ما يوضع على البعير المركوب ، ثمّ يعبّر به تارةً عن البعير ، وتارةً عمّا يُجلس عليه في المنزل ، وجمعه رحال ، والراحلة الناقة الّتي تصلح لئن ترحل ، رحل عن البلد : تركه ، رحل إلى موضعٍ : انتقل إليه. يعني من يسير إليك قريب المسافة لا يحتاج إلى قطع الطريق والسير في البراري والبحار ، فمن يريد الرحلة إليه يدعوه ويناجيه ، قال سبحانه : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ » ، [٢] وقال عزّ وجلّ : «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » ، [٣] وقال تعالى : «أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ » ، [٤] وقال سبحانه : «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَ لَـكِن لَا تُبْصِرُونَ » . [٥] قال الاُستاذ العلّامة في الميزان : «الحيلولة ، هي التخلّل وسطا ، والقلب العضو المعروف ، ويُستعمل كثيرا في القرآن الكريم في الأمر الذي يدرك به الإنسان ، ويظهر به أحكام عواطفه الباطنة ، كالحبّ والبغض ، والخوف والرجاء ، والتمنّي والقلق ، ونحو ذلك ... والإنسان كسائر ما أبدعه اللّه من الأنواع الّتي هي أبعاض عالم الخلقة مركّب من أجزاءٍ شتّى ، مجهّز بقوى وأدوات تابعة لوجوده ، يملكها ويستخدمها في مقاصد وجوده ، والجميع مربوطة به ربطا يجعل شتات الأجزاء والأبعاض على كثرتها وتفاريق القوى والأدوات على تعدّدها ، واحدا تامّا يفعل ويترك ، ويتحرّك ويسكن بوحدته وفردانيّته. غير أنّ اللّه سبحانه لمّا كان هو المبدع للإنسان وهو الموجد لكلّ واحد واحد من أجزاء وجوده وتفاريق قواه وأدواته ، كان الذي يحيط به وبكلّ واحدٍ من أجزاء وجوده وتوابعه ، ويملك كلّاً منها بحقيقة معنى الملك ، يتصرّف فيه كيف يشاء ، ويملّك الإنسان ما شاء منها كيف شاء ، فهو المتوسّط الحائل بين الإنسان وبين كلّ جزء من أجزاء وجوده ، وكلّ تابع من توابع شخصه ؛ بينه وبين قلبه ، بينه وبين سمعه ، بينه وبين بصره ، بينه وبين بدنه ، بينه وبين
[١] في الإقبال : «الأعمال السيئة» . [٢] البقرة : ١٨. [٣] ق : ١٦. [٤] الأنفال : ٢٤ . [٥] الواقعة : ٨٥ .