شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ١٩٢
الهلكة ، أي أنا آخذ برحمتك ومتعلّق بها ؛ وذلك لأنّك «تصيب برحمتك من تشاء» والباء للإلصاق ، أي تنزل رحمتك على من تشاء ، قال سبحانه : «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » ، [١] أي تعلّق رجائي في الخلاص من الهلكة في الدارين أن تصيبني برحمتك ، قال الراغب : «الصوب الإصابة ، يقال : صابه وأصابه ، وجعل الصوب نزول المطر... قال بعضهم : الإصابة في الخير اعتبارا بالصوب أي بالمطر ، وفي الشرّ اعتبارا بإصابة السهم ، وكلاهما يرجعان إلى أصل» ، [٢] ويمكن أن تكون الباء للسببية ، أي تصيب بسبب رحمتك الخير من تشاء ، فيكون المفعول مقدّرا. «وتهدي بكرامتك من تحبّ» قال الراغب : «الكرم إذا وُصِف اللّه تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر ، نحو قوله : إنّ ربّي غني كريم ، وإذا وُصِف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة الّتي تظهر منه ، ولا يقال هو كريم حتّى يظهر ذلك منه ، قال بعض العلماء : الكرم كالحرّية ، إلّا أنّ الحريّة قد تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة ، والكرم لا يقال إلّا في المحاسن الكبيرة» [٣] ؛ يعني تهدي من تحبّ بكرمك وفعلك الجميل الكريم. والهداية كما قال الراغب : «دلالة بلطف ، ومنه الهدية... وهداية اللّه تعالى على أربعة أوجه : الأوّل : الهداية الّتي عمّ بجنسها كلّ مكلّف ، من العقل والفطنة والمعارف الضروريّة الّتي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه على حسب احتماله ، كما قال : «رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » . [٤] الثاني : الهداية الّتي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك ، وهو المقصود بقوله تعالى : «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا » . [٥] الثالث : التوفيق الذي يختصّ به ممن اهتدى ، وهو المعني بقوله تعالى : «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً » . [٦]
[١] يوسف: ٥٧ . [٢] مفردات ألفاظ القرآن : ص ٢٨٨ . [٣] مفردات ألفاظ القرآن : ص ٤٢٨ . [٤] طه : ٥٠ . [٥] الأنبياء : ٧٣ . [٦] محمّد : ١٧ .