شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤١
وقوّته ، ويُنسب إليه كما يُنسب إلى الإنسان ؛ لأنّه صدر عن أمره وإرادته التشريعيّة والتكوينيّة ورضاه ، وما يرتكبه من القبائح لا يُنسب إليه تعالى ؛ لأنّه لم يكن عن أمره ورضاه ، بل هو لفاعله وإن كان ذلك بحوله وقوّته ، وهو القادر على ما أقدرهم عليه والمالك لما ملّكهم ، فكلّ حسنة منه تعالى والحمد له ، وكلّ قبيح ليس منه ؛ لأنّه لا يرضاه بل ينهى عنه ، قال تعالى : «مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ » . [١] «الذي أدعوه فيجيبني» تقدّم الكلام في أمره تعالى عباده بالدعاء ودعاء العبد إيّاه سبحانه وإجابته تعالى إيّاهم ، والمراد من هذه الجملة تحقّق وعده تعالى بالإجابة. «وإن كنت بطيئا حين يدعوني» البُط ءُ بالضّم تأخّر الانبعاث في السير... فبط ءُ إذا تخصّص بالبطؤ وتباطأ : تحرّى وتكلّف ذلك ، [٢] ومنه الخبر : «من بطأ به عمله لم ينفعه نسبه» ، أي من أخّره عمله السيّئ وتفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخرة شرف النسب ، قاله الجوهري. [٣] الإنسان بحسب طبعه وغرائزه وشهواته يميل إلى خلاف ما أمر اللّه تعالى ، وهواه يمنعه عن المبادرة إلى الطاعة ، قال تعالى : «وَ أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى » . [٤] والإنسان مجبول على غرائزه ، كما أنّه مجبول على معرفته تعالى كما تقدّم ، ولكنّ الهوى يغلب عليه ويمنعه عن الطاعة ؛ لأنّ طاعته تعالى ورضاه فيما يخالف هواه ، فبالنتيجة يكون إجابة العبدٍ ربّه يحصل عن بط ء ، يأمره بالإنفاق وحبّ المال يمنعه ، ويأمره بالعبادة وحبّ الراحة يمنعه ، وكذا الجهاد وترك المعاصي ؛ لأنّ كلّها خلاف ما يهواه ويميل إليه وزيّنه الشيطان ، فالعبدٍ يبطئ إذا دعاه ، بل يعصي ويخالف ويتبع هواه. فطوبى لعبدٍ قدّم هوى مولاه على هواه ، ورضاه على رضاه ، بل كان هواه في طاعة مولاه ، وعبادته مناجاته ، يلتذّ بالطاعة ولا يهوى إلّا ما يهوى مولاه ، ولا يحبّ إلّا ما يحبّه
[١] النساء : ٧٩ . [٢] مفردات ألفاظ القرآن : ص ٥٢ . [٣] النهاية لابن الأثير : ج ١ ص ١٣٤ ، لسان العرب : ج ١ ص ٣٤ ، مجمع البحرين : ج ١ ص ٢٠٩ . [٤] النازعات : ٤٠ ـ ٤١ .