شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٧
أن يتحرّى لك فعل جميل ، وعلى ذلك قال : «وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَـكِرِينَ » ، [١] ومذموم ، وهو أن يتحرّى به فعل قبيح ، قال تعالى : «وَ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَا بِأَهْلِهِ » . [٢] والحيلة : ما ويتوصّل به إلى حالةٍ مّا في خفيةٍ ، وأكثر استعمالها فيما تعاطيه خبث ، وقد تُستعمل فيما فيه حكمة ، ولهذا قيل في وصف اللّه عزّ وجلّ : «وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ » ، [٣] أي الوصول خفيةً من الناس إلى ما فيه حكمة ، وعلى هذا النحو وُصِف بالمكر والكيد ، لا على الوجه المذموم ، تعالى اللّه عن القبيح ، وفي الدعاء من الصحيفة السجّادية : «اللّهمّ وامكر لنا ولا تمكر بنا» ، [٤] وفي الدعاء : «ولا تمكر بي فيمن تمكر ب». [٥] قال السيّد رحمه الله في شرح الدعاء الخامس : «كد لنا ولا تكد علينا ، وامكر لنا ولا تمكر بنا» [٦] : قال بعض العلماء : «الكيد إرادة مضرّة الغير خفيّة ، وهو من الخلق الحيلة السيّئة ، ومن اللّه المتدبّر بالحقّ بمجازاة أعمال الخلق . والمكر من جانب العبد إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر ، ومن جانب الحقّ هو إرداف النعم مع المخالفة ، وإبقاء الحال مع سوء الأدب ، وإظهار الكرامات من غير جهد» . [٧] وراجع الشرح أيضا في شرح الدعاء السابع والأربعين في شرح قوله عليه السلام «ولا تمكر بي فيمن تمكر به» ، [٨] وراجع روضة المتّقين [٩] ومرآة العقول [١٠] في معنى مكر اللّه تعالى. وبالجملة ، مكر اللّه تعالى ـ كما أشار إليه ـ هو إمهال اللّه تعالى عبده وتمكينه من إعراض الدنيا ، وإرداف النعم مع المخالفة ، ولعلّه لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام : «من وُسِّع له دنياه ولم يعلم أنّه مُكِرَ به ، فهو مخدوع عن عقله». [١١] فالمراد حينئذٍ ألّا يؤدّبه بالعقوبة ولا يتركه وهواه أن يصبّ عليهم النعم مردفا مع العصيان ، ويحتمل أن يكون المراد طلب الخاصّة حتّى لا يزيغ في المداحض الخفية والمزالّ الّتي يصعب دركها والاحتراز عنها.
[١] آل عمران : ٥٤ . [٢] فاطر : ٤٣ . [٣] الرعد : ١٣ . [٤] الصحيفة السجّادية : ص ٤٤ الدعاء ٥ . [٥] الصحيفة السجّادية : ص ٢٧٢ الدعاء ٤٧ . [٦] الصحيفة السجّادية : ص ٢٧٢ الدعاء ٥ . [٧] رياض السالكين : ج ٢ ص ١٥٢ . [٨] رياض السالكين : ج ٧ ص ١١٩ . [٩] روضة المتّقين : ج ٩ ص ٢٥٦ . [١٠] مرآة العقول : ج ١٠ ص ١٤ . [١١] مفردات ألفاظ القرآن : ص ٦١ و ٤٧١ «بلى» و «مكر» .