تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٣٠٩ - أنّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام هو أفصح الخلق
في ذلك المقام بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشابه لطباع الرهبان لابسي المسوح الّذين لم يأكلوا لحما، و لم يريقوا[١] دما قطّ، فتارة يكون في صورة سقراط الحبر اليونانيّ، و يوحنّا السعمدان الإسرائيليّ، و عيسى بن مريم الإلهيّ، و تارة يكون في صورة عتيبة بن الحارث اليربوعيّ، و عامر بن الطفيل العامريّ، و بسطام بن قيس الشيبانيّ.
و اقسم بالّذي تقسم الامم كلّها به؛ لقد تلوت هذه الخطبة منذ خمسين سنة و إلى الآن أكثر من ألف مرّة، و ما تلوتها مرّة إلّا و أحدثت في قلبي وجيبا، و في أعضائي رعدة، و خيّل لي مصارع من مضى من أسلافي، و تصوّرت في نفسي أنّي أنا ذلك الشخص الّذي وصف أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه في قوله:
فكم أكلت الأرض من عزيز جسد، و أنيق لون كان في الدنيا غذيّ ترف، و ربيب شرف، إلى آخرها[٢]؟
و كم قال الناس، و كم سمعت، و ما دخل كلام ما دخل هذا الكلام من قلبي[٣]، فإمّا أن يكون ذلك لفرط حبّي لصاحبه، أو أنّ نيّة القائل كانت صادقة، و يقينه ثابت، فصار لكلامه تأثير في النفوس[٤].
و قال أيضا الفاضل ابن أبي الحديد عند شرحه كلامه صلوات اللّه عليه في خطبة الأشباح[٥]: عالم السرّ من ضمائر[٦] المضمرين، إلى آخر الفصل: لو
[١] كذا في شرح النهج، و في الأصل: يرتعوا.